احتج كثيرون على قانون «الاجتثاث»، وبالمقابل له مؤيدون، وبين المحتجين مَن اعتبره تكريساً للعنف، على رأي أن جمع البعثيين بالاجتثاث، وهي مفردة عنيفة وتوحي بقطع الأعناق والأرزاق، سيدفع المطلوبين بالقانون إلى رص الصُّفوف ومواجهة النِّظام الجديد بكلِّ الوسائل. فكان الأجدر أن يُقدم مَن يُدان بالقتل، أو ما قاد إلى ذلك، وأن يُناط الفصل بمحاكم مستقلة، ليس بينها مِن الأحزاب التي منها الضَّحايا، تلافياً لشعور الثأر. أما الذين أيدوه، فبعضهم انطلق مِن سنوات الألم، وما حلَّ بهم مِن فواجع، ولم ينظروا إلى مستقبل البلاد، وأن بناء نظام جديد يتطلب التَّعالي على الثارات، والأمر يُترك للقضاء وأهل الدِّماء، بلا قانون عنوانه «الاجتثاث». وأن التجربة التي حصلت بإقليم كردستان العِراق قد سبقت إلى ذلك، وحُلت أمور وثارات عديدة بهدوء، وهي لم تكن أقل فاجعة. لكن إصرار السِّياسيين، على الثأر قاد إلى تطبيق القانون بما أدى إلى خلق مظلوميات جديدة؛ بل استخدم لأغراض سياسية، يُجتث المعاند ويُحمى المُساند. ولكن ليس في السِّياسة ثوابت، فدارت الدَّوائر وتكاشف القوم، وظهر قاضي القضاة مشمولاً في الاجتثاث ومحمياً لعشر سنوات. القاضي مدحت حمودي حسين المحمود، صاحب كفاءة في تخصصه، ولد ببغداد محلة إصبابيغ الآل، تخرج مِن الحقوق (1959)، وبدأ بممارسة عمله في العدل (1960)، وتدرج وظيفياً بلا قفزات، فليس هو مِن الذين صاروا رؤساء جامعات ووكلاء وزراء وألوية وفرقاء في الجيش والأمن لأنهم كانوا حزبيين. ولد المحمود بمحلة بغدادية أصيلة، قدمت للعِراق علماء وخبراء في شتى المجالات، أما خؤولته، وهم مِن مدينة الكاظمية، فيكفي أن منهم الطَّبيب المعروف فرحان باقر، الذي كان طبيباً لعدة رؤساء. بمعنى أنني أنا وغيري سُررنا بأن يكون هذا الرَّجل قاضي قضاة العِراق، هذا المنصب الذي تصدره أول مرة ببغداد أبو يوسف (ت 182 هـ)، المدفون عند ضريح موسى الكاظم (ت 183 هـ)، وتلك واحدة مِن مهبطات التَّاريخ للتصعيد الطَّائفي. قرأت سيرة قاضي القضاة في "الموسوعة القضائية... رحلة القضاء العراقي في القرن العشرين" لمهنا الحيدري، بأنه بدأ قاضياً العام (1967) وعمل بمناطق شتى مِن البلاد مِن قاضٍ بأطراف النَّاصرية إلى الرَّمادي، وبهذا تمرس في معرفة المجتمع العِراقي، وتعالى على النَّوازع الطَّائفية، فأبدان رؤساء العِراق حتى الرَّئيس أحمد حسن البكر (ت 1982) مروراً بعبد السَّلام عارف (قتل 1966) كانوا أمانة بيد خاله الكظماوي ولادةً ونشأةً. ظل المحمود قاضياً، ومِن المتقدمين في الوظيفة حتى تَعين العام 1980 مديراً عاماً لدائرة التنفيذ مِن قِبل وزارة العدل؛ ثم مديراً عاماً لرعاية القاصرين، فنائباً لرئيس محكمة الاستئناف ببغداد، ورئيس الهيئة التمييزية المدنية فيها، ورئيساً لمحكمة القضاء الإداري، فرئيساً لمجلس شورى الدَّولة، وبعدها صار قاضياً في محكمة التمييز. بعد عام 2003 صار مدحت المحمود رئيساً لمجلس القضاء الأعلى، أي بمثابة قاضي القضاة. لكن صاحبنا، بعد تقلده هذا المنصب الخطير اختلت موازينه، وكأن الدَّنيا لم تتبدل، ولم يُعلن عن الفصل بين السُّلطات حقيقة لا مجازاً، ويقرر أن لا سلطة على القضاء إلا مجلسه هذا ومجلس النُّواب. ولاختلال رئيس العدالة قصص كتب عنها آخرون بدراية مثل القاضي فرج موسى، الذي فرَّ مِن القضاء سابقاً كي لا يتورط ما تورط به المحمود. دارت الدَّوائر وإذا بحبل الاجتثاث التف حول رَقبة الأخير، لإصدار إعدام وبتر آذان وجدع أنوف، وبهذا لعلَّه راقب محاكمة عواد البندر (أعدم 2007) قاضي القضاة السَّابق، بشيء مِن القلق! لستُ مع اجتثاث المحمود، لكن إذا ثبت أنه أصدر مثل هذه القوانين يصعب قبوله قاضياً للقضاة؛ والسَّبب ليس طعناً في شخصه، فكانت لديه قوانين مفروض أن يحكم بها، وهو لا يمتلك جرأة أبي حنيفة (ت 150 هـ) عندما فضل الجلد على القضاء، إنما سيبقى منحنياً مهدداً بالاجتثاث، وها هي عشر سنوات والمحمود «يقول ما قيل له...»! إن القضاء ومناصبه ليست أية وظيفة، ومِن عبث السِّياسيين ما قيل لنا: إن مجلس القضاء والمحكمة الاتحادية هما الفصل، فلا خوف على العِراق ولا الدِّيمقراطية، وإذا برئيسه كان جداع أنوف بتار آذان، عند السَّابقين ومفسر أحلام عند المتأخرين، ولنا اعتبار تفسيرات المواد الدُّستورية العراقية بطريقته شبيه بتفسيرات الأحلام! قلنا القضاء ليس أية وظيفة، ولنستوضح خطورتها مِن خلال قلق مَن أنيطت بهم مِن الفقهاء، وهنا نقتبس القصص مِن «أخبار القُضاة» لمحمد وكيع (ت 306 هـ)، فيُخبرنا أن قاضي الكوفة لعمر بن عبدالعزيز (ت 101 هـ) القاسم بن عبدالرَّحمن كان لا يأخذ أجراً ولا يحصل رزقاً على القضاء. وأن لعظمة هذه الوظيفة قال محارب بن دثار (ت 116 هـ) حين تولاها: «بكيت وبكى أهلي». وأن منصوراً بن المعتمر (ت 133 هـ) هرب مِن يزيد بن هبيرة (قُتل 132 هـ) لما أراده على القضاء؛ مع أن أُمه كانت تشكو الحال، فقالت: «يفرُّ مِن القضاء ويُجالس العلوج والأنباط وهي غضبانة». أما العلوج فاشتهرت وعرفناها! وأما الأنباط فهم الفلاحون سكان البطائح الآراميين (الدُّوري، تاريخ العِراق الاقتصادي). وخَيّر أبو جعفر المنصور (ت 158 هـ) شَريكاً النَّخعي (ت 177 هـ) بين القضاء والنَّفي إلى الأقاصي، فقال: «إنما أنظر في الصوم والصَّلاة أما القضاء فلا أحسنه»! ولما أراده المهدي (ت 169 هـ) على القضاء تعلل بأنه أبخر، فنصحه: «عليك بمضغ اللِّبان»! فردَّ عليه: «إني أمرؤ أقضي على الوارد والصَّادر، فقال: اقضِ عليَّ وعلى ولدي. قال: فكفني حاشيتك!» قصص لا تُعد ولا تُحصى أتت في مصادر الرِّجال والتاريخ، وانتهي بالقاضي سوار بن عبدالله (ت 245 هـ) عندما هدده متهمٌ لأنه قضى ضده، فأجابه القاضي ببيت جرير الشَّهير: «زعمَ الفرزدقَ أن سيقتُل مربعاً/ أبشر بطول سلامةٍ يا مربع». أقول: هل لقاضي قضاتنا أن يردَّ مَن يهدده بورقة الاجتثاث، إذا ما فسرَّ مادة دستورية ليست على مزاج الوزارة: «ابشر بطول سلامةٍ يا مربع»! لا أظنه بقادرٍ. وأعلن أسفي على أن هذه الكفاءة لم تنتفع بها البلاد! وهي في الحالتين لم يُنتفع بها، فإذا عاند كان مصيره مصير الاقتصادي سنان الشِّبيبي!