إن أزمة الفكر في العالمين العربي والإسلامي أزمة مفصلية ومعالجتها ستستمر لقرون. ولكن لا بد من أن نبدأ، فالمفكرون الحقيقيون أصبحوا عملة نادرة في هذا الجزء من العالم. ويطلق لدينا على من يحصل على مؤهلات علمية عالية أو يعمل في إحدى الجامعات أو أحد المراكز البحثية أو يمتهن الأدب أو الصحافة أو الكتابة بصورة عامة أو يحتل مناصب مرموقة لقب مفكر، بالرغم أن كل ما يتكلم عنه معظمهم، يندرج ضمن شؤون الحياة اليومية على مختلف الأصعدة، وفي شتى المجالات أو سياسات واستراتيجيات دولهم أو مؤسساتها أو رجالاتها أو تأثير ما يجري من أمور في عالم السياسة والاقتصاد والأدب والفن والرياضة ... الخ في دول العالم المختلفة أو نقد عمل ما أو شخص ما. ولكن كل ذلك لا يجعل من الشخص مفكراً تنويرياً تناقش أفكاره حاضراً ومستقبلاً، فالمفكر يجب أن يحدث تغييراً حقيقياً في مجتمعه أو العالم من خلال طرح أو تناول بالتفصيل قالب فكري أو فكرة شمولية، أو نموذج أو منهج أو تصور ما أو يطرح أو يعيد برمجة أو هندسة عمل أو فكر قائم بصورة غير مسبوقة، ويعيد النظر فيه، بل ويبني عليه ليصبح وكأنه تصور جديد أو يفنده بطريقة قد تجعله رأياً بدلاً من فكر. المفكر عادة يمر بتجارب وآلام وصعوبات تصقله وتجعله يرى العالم من منظور مختلف، فلا يجب أن يقدس عمل وفكر من سبقوه بصورة تلغي استقلاله الفكري، وتجعله يترفع احتراماً أو خوفاً أو تبجيلاً وإعجاباً عن إبداء الرأي والنقد البناء في عمل من يرى فيهم أرباب الفكر والأفكار، التي غيرت العالم، فيصبح أسيراً لفكر الآخرين، فهو مطلع على أعمال من سبقوه ومعاصريه، ويتوقع ما قد يطرح في المستقبل مع تقبل الأفكار التي تختلف عن معتقداته، فلا يمرر عليها الأحكام المسبقة، ولكنه لا يفقد كينونته الفكرية مقابل ما يسمى الفكر التنويري الكوني. وأن يكون المفكر متفرغاً للفكر، فهو كالعالم لا يجب أن تلهيه أمور الدنيا المختلفة عن ما هو عليه من فكر، ولا بد على الدول التي تسعى لتملك أكبر عدد من المفكريين أن تفرغ هؤلاء الأشخاص للاشتغال والانشغال بالفكر فقط كتخصص قائم بذاته، فكما يخرج المفكرون من رحم المعاناة، تخرج كذلك النصوص القيمة. ولكننا في عصر قد يخرج فيه مفكرون لا يعرفون المعاناة، والعالم الافتراضي والإنترنت قد يختصر رحلة المعاناة للوصول لمرحلة التجلي والمخاض الفكري. فالعالم الآن بعيد بقدر لمسة من إصبع المفكر، ولكن أكبر الصعوبات التي تواجه ظهور جيل مفكرين جدد في العالم العربي والإسلامي هو أن الجيل الحالي من المفكرين مع ندرتهم الشديدة متقوقعون في أضواء الانبهار بالفكر الأوروبي في المقام الأول مع إدراكهم طبعاً لتاريخ الفكر ورموزه في كل العصور. ولكن كما يكتب التاريخ المنتصر كذلك يسوق للفكر الراقي الذي يجب أن يقود العالم كانعكاس لحضارته وغير مستغرب في المستقبل أن يتكلم مفكرونا عن عظمة المفكرين الصينيين، وكيف غيروا نظرتنا للحياة، فمن المهم أن نقارن أنفسنا مع الآخرين، ونتعلم منهم ونتفاعل معهم لنصل لمرحلة النضج. فالفكر والفلسفة والتنوير ليس لها جنسية أو لون، بل هي علوم متراكمة ساهم في صناعتها كل البشر من دون استثناء، بغض النظر عن من كتب النسخة الأخيرة وقدمها للعالم وعرفه العالم بها. ففي القرن الرابع للهجرة على سبيل المثال، من لم يكن يتكلم اللغة العربية ما كان يعتبر مثقفاً ولا مفكراً. وبسبب اللغة كان الشرق الأوسط قلب العالم النابض اقتصادياً وعلمياً ومنارة الفكر وبضياع هيمنة اللغة العربية بدأ الانحدار، وأصبح لابد من معرفة إحدى اللغات الحية العالمية، وهي لغات العلوم الحديثة لنراجع ما كتبه وشرحه روسو وسبينوزا وسارتر وكانط وديكارت وهيجل وفولتير وفرانسيس بيكون ومارتن لوثر ومارتم كريمر وبرتراند راسل وميشيل فوكوياما ويورجين هابرماس والقائمة تطول. وإنْ أردنا فهم ابن رشد أو الفارابي، فلابد من قراءة شروحهم بلغة أجنبية، وحتى المفكرين العرب في عصرنا الحالي فإن النسبة الأكبر منهم تكتب بالفرنسية أو الإنجليزية وأغلبهم كانوا معلقين وشارحين بدرجة مفكرين. والذين يكتبون باللغة العربية أصبح الكثير منهم جزءاً من الجمهور، فأصبحت معظم كتاباتهم مثل "الربيع العربي" ثورة فكرية يخرجون فيها في مظاهرات جماعية في عالم الفكر ليطرحوا الفكرة نفسها، ولكن لا يعرفون على من، ولخدمة من. وانقسم المفكرون لمؤيدين لغوغائية الشارع أو الإعلام المسيس أو سياسة أنظمة أو أحزاب ترفض أن تتحرر من رتابة التقليدية والشعارات الماضوية من قومية عربية إلى خلافة حزبية. فإذا هزمت الأمة أو تعرضت لنكبة ترتمي في أحضان التراث الديني التقديسي أو العرقي مع أن معظم الشعوب العربية، أغلبيتها من جيل الشباب، وهو جيل في عالم مختلف لم يسمع في حياته عن طه حسين والشيخ محمد عبده، وهم في مرحلة تحديث التحديث والحضارة الواحدة بلهجات مختلفة وثقافات ستتشابه حتماً في المستقبل وستكون لغة واحدة، ولكن بلهجات مختلفة. وفي ضوء التعاطي المسبق مع قضية الفكر والمفكريين في الوطن العربي والإسلامي، لابد من الإشارة إلى عملية التصحير الفكري المبرمج والتجهيل المؤسسي للشعوب في الوطن العربي تحت مختلف المسميات بغرض الكسب السياسي الرخيص أو الرؤية الضيقة لمصلحة تأميم المجتمع مذهبياً أو فلسفياً فنحن أمام تحد تاريخي لغربلة الموروث التاريخي لنا كأمة إسلامية، ولا بد من إخضاع التراث الديني للدراسة والبحث العلمي الموضوعي، والخروج بنتائج تحررنا من أسر قدسية فهم وتفسير النص، والتركيز بدلاً من ذلك على تاريخية النص والتأويل المجازي له. إن تحرر أوروبا على سبيل المثال، جاء بعد مخاض طويل من الشد والجذب بين الكنيسة والسلطة السياسية من جانب، والمفكرين النهضويين من جانب آخر حتى وصلوا اليوم لنتيجة مرضية نوعاً ما في تقبل الآخر واختلافه مذهبياً، ولكن لا أوافق بعض رموز الفكر في الوطن العربي على ضرورة تفكيك البناء وبصورة جذرية للموروث الديني. الشعوب المسلمة جزء كبير منها يجد في فهم الدين التقليدي ملاذاً وصمام أمان وطمأنينة، وعليه فليس بالضرورة نسخ الفهم السابق أو تحويره أو استئصاله من الجذور للوصول لفكر تنويري فنصبح إقصائيين، وننقل تعصب وقدسية الآخرين لرأيهم لرأينا وبالمقابل يجب أن يطرح البديل ونشر ثقافة النقد البناء لفهم المورث الفكري الإسلامي ككل، وتسليح العامة بأدوات الاختيار على أسس علمية بعيدة عن الهوى، فلا للمسلمات في فهم تفسير بعض النصوص الدينية، التي جاءت بوحي، ولا يجب أن نربط أهميتها وفهمها بالفهم البشري لأي بشرٍ كان، فهي لكل العصور والمسلم به اليوم قد يصبح أسطورة غداً، لأنه دين حي متجدد غير جامد.