«كريستوف شارل» مؤرخ فرنسي بارز، أصدر قبل سنتين كتاباً متميزاً في أفكاره ومعطياته التاريخية حول مسارات الحداثة من حيث التشكل والصياغات النظرية والفلسفية. انطلق "شارل" في كتابه من تعدد تاريخيات الحداثة، بالتمييز بين نمطين من الوعي الغربي بها هما:"الحداثة الثورية" في بدايات القرن التاسع عشر التي اصطدمت بالتقاليد الثقافية والاجتماعية القائمة وطرحت مشاريع طوبائية للتغيير الجذري السريع، و"الحداثة الشقية" في نهاية القرن نفسه وبداية القرن العشرين التي تحيل إلى ظاهرة استهداف الحداثة في جوانبها التقنية والاستهلاكية بالنقد والتجاوز من منظور غدا يطلق عليها في مرحلة لاحقة "ما بعد الحداثة". في الحالتين نحن أمام مفارقة مثيرة هي عدم تزامن الحداثة مع نفسها، أو بعبارة "بول ريكور" غياب المعاصرة لدى المعاصرين، أي انفصامهم مع واقعهم الراهن على الرغم من أن الحداثة هي قبل كل شيء وعي بالتاريخ وبناء للشرعية على أفق الراهن (أو التاريخ للحاضر كما هو مضمون مشروع التنوير حسب التحديد الكانطي). يعيش عالمنا العربي مفارقة الحداثة من خلفيات مغايرة، لكنها المفارقة نفسها. يمكن الوقوف على هذه الظاهرة في مسار تحولاتها بالوقوف عند محطات أربع: أولاها :"الحداثة الإصلاحية" التي بلورها مفكرو النهضة من منطلق الوعي "الشقي" بالانفصام بين زمنية "الأصل المنحط أو المحرف" وزمنية "التمدن"، أي الأفق المرجعي للنموذج – الخصم الذي يرمز في آن واحد للخيار المستقبلي المنشود وشكل الهيمنة المرفوض الذي يتعين مواجهته. عبر فكر شيخي الإصلاحية النهضوية الإمامين الأفغاني ومحمد عبده عن هذه المحطة المؤسسة في مسار الفكر الحداثي العربي الإسلامي. ثانيتها:"الحداثة الثورية"، التي عبرت عنها الأنساق الإيديولوجية التي عرفتها الساحة العربية منذ النصف الثاني من القرن المنصرم. في هذه المرحلة أخذ الوعي الشقي بالحداثة سمة غالبة هي: فصل الحركية التغييرية (ديناميكية التقدم ) عن مضامينها النظرية والفكرية، أي قيم التنوير والحداثة السياسية التي حوربت من منظور الاشتراكيات "العلمية "(الماركسية) والتأصيلية (القومية العروبية) المناوئة للمنظومة الرأسمالية وعقيدتها الليبرالية. لقد نبه أوانها المفكر المغربي "عبد الله العروي" إلى خطورة مسلك الماركسيين العرب المتأثرين بالماوية الصينية في بلورة ماركسية جنوبية منفصمة مع الإرث التنويري للغرب الحديث. يلاحظ في السياق نفسه أن الفكر القومي العربي امتاح مقولاته المحورية من الفلسفات الرومانسية والحيوية، التي شكلت الإرهاصات الأولى لفكر ما بعد الحداثة، مما هو واضح في كتابات رواد التيار القومي كساطع الحصري ومشيل عفلق قبل أن تهيمن الشعارات الماركسية على الإيديولوجية القومية. ثالثتها:"الحداثة النقدية" التي عبرت عنها مشاريع قراءة التراث التي ظهرت بصفة متزامنة في بدايات الثمانينات، وفق مقاربات تستلهم المناهج والتأويليات الأبستمولوجية والبنيوية والتفكيكية الجديدة (أبرزها مشاريع محمد عابد الجابري ومحمد أركون وحسن حنفي ونصر حامد أبوزيد...). تجلى الوعي الشقي بالحداثة بالانفصام الملحوظ بين منظورين متعارضين في الخلفيات والغايات: المنظور النقدي التنويري الذي يستند للمشروع الحداثي الأصلي في مضامينه التنويرية التقليدية والمنظور ما بعد الحداثي التفكيكي الذي برز في سياق فلسفي واجتماعي نقدي لتركة التنوير والحداثة الأوروبية. تعايش المنظوران في مشاريع قراءة التراث التي اتجهت إلى استخدام الشبكة التأويلية ما بعد الحديثة في سياق تحديثي تنويري، مما أفضى إلى الجمع بين زمنيتين نظريتين واجتماعيتين متغايرتين. وليس من الغريب أن تقترن النزعة ما بعد الحداثية بالتيارات المناوئة للحداثة من منطلقات ارتكاسية ونكوصية للماضي ما قبل الحديث في حال تصفية التركة التنويرية التي هي الأفق الفلسفي للحداثة وحصيلتها الثقافية (ترمز أعمال عبد الوهاب المسيري لهذا الاتجاه على الرغم من نقده المعلن لأفكار ما بعد الحداثة التي يرى فيها تقويضاً للمعنى والقيم الإنسانية). رابعتها :"الحداثة الديمقراطية" الراهنة التي تقوم على الانفصام بين خيار التعددية السياسية المنظمة دون أفق ليبرالي، أي الفصل بين مطلب الحرية السياسية (حرية المواطن داخل الكل الاجتماعي المشترك) ومطلب الحرية الذاتية (حرية الإنسان من حيث هو فرد له حقوقه الأصلية). ظهر بعد الثورات العربية الأخيرة اتجاه متنام للبحث عن أصناف جديدة من الديمقراطية يطلق عليها صفات من قبيل "الديمقراطية المؤمنة"(مقابل الديمقراطية العلمانية) و"الديمقراطية التكافلية "(مقابل الديمقراطية الرأسمالية) و"الديمقراطية الأصيلة"(مقابل الديمقراطية التغريبية)...وتعكس هذه التمييزات أزمة عميقة في استيعاب الحداثة السياسية التي تصطدم بعوائق جوهرية في علاقتها بالإشكالات الكبرى المطروحة على المجتمع العربي في جوانب محورية كالخيارات الدستورية الناظمة للنموذج السياسي وتصورات إدارة المسألة الدينية - السياسية، والتوجهات الضابطة للتموقع ضمن النظام الدولي. ومن الخطر على التجارب الديمقراطية الوليدة والمتعثرة، اختزال هذه الإشكاليات المحورية في الجوانب الإجرائية للتنظيم السياسي، باعتبار أن الحداثة السياسية ترتبط عضوياً بمسارات التحديث الأخرى في أبعاده الفكرية والاجتماعية والقانونية المتشابكة والمتداخلة. كان عالم الاجتماع الألماني الأشهر "ماكس فيبر" قد نبه في أعماله الرائدة حول الحداثة إلى أن العقلانية والديمقراطية لا يمكن أن تقترنا في المجتمعات الحديثة على الرغم من أن الشرعية الديمقراطية تتأسس على المنظور العقلاني. فمن شأن العقلانية المعاصرة أن تأخذ أشكالًا بيروقراطية وتقنية تفضي إلى تحكم النخب في القاعدة الاجتماعية العريضة التي لا يبقى لها سوى الشعور بالإرادة الحرة عبر اللحظة الانتخابية، التي تكرس الهيمنة الشرعية للنخب البيروقراطية. يعيش المجتمع العربي حالياً وضعاً مغايراً هو القطيعة بين النخب الفكرية والاجتماعية، التي تتبنى الدفاع عن القيم الليبرالية والمنظومة "الكونية" لحقوق الإنسان، وهي الفئة الاجتماعية المتحكمة في الدوائر البيروقراطية والاقتصادية المرتبطة بالسوق الدولية حتى ولو كانت ضعيفة القاعدة الانتخابية والقوى السياسية الشعبوية التي تتبنى خطاب الأصالة والهوية وتتمتع برصيد انتخابي قوي يؤهلها للسلطة دون القدرة على التحكم في منافذ القرار الفعلية، مما يعكس انزياحاً بين الحقل السياسي وباقي الحقول المجتمعية الأخرى.