بات الشغل الشاغل الآن لحكومات الدول الصناعية المتقدمة البحث خلف الكواليس حول أبعاد ارتفاع أسعار النفط، وإن كان السبب يكمن أيضاً وراء تلك الكواليس. فالزيادة السنوية في الشراء في عام 2003 لم تتجاوز 2.1% مقارنة مع العام الذي سبقه، إلا أن استهلاك الصين في السنوات الأخيرة تراوح بين 15% و20%، بالمقارنة مع زيادة أميركية لم تتجاوز 1.5% في العام الماضي، مع تراجع الاستهلاك في القارة الأوروبية لا سيما في دولها الصناعية الكبرى، ويعود هذا التفاوت في الاستهلاك إلى لجوء أغلب تلك الدول الأوروبية إلى التصنيع في دول جنوب شرقي آسيا بحثاً عن العمالة الرخيصة والدخول في أسواق جديدة بأسعار أكثر منافسة. كما يمثل ارتفاع أسعار النفط علامة استفهام كبيرة حول الشراء للتخزين كاحتياطي استراتيجي، فمن الصعب أن تقبل "جهة ما" على الشراء بتلك الأسعار المرتفعة للتخزين، ثم تنخفض الأسعار تدريجياً أو فجأة فلا تصبح لهذا المخزون قيمة اقتصادية كبيرة، بل يكون مصحوباً بخسارة فادحة.
وثمة ثلاث حقائق يدور حولها النقاش خلف الكواليس: الأولى أن الشرق الأوسط سيظل المورد الرئيس للنفط في العالم، وكلما زاد التوتر في المنطقة كلما بات من الصعب وضع تصور واضح حول مستقبل النفط. والثانية أن النمو الاقتصادي الآسيوي الذي تتصدره الصين سيتواصل وسيعمل على رفع معدلات الطلب على النفط. أما الثالثة فهي أن المخزون الاحتياطي للدول الصناعية الكبرى سيتراجع مع استمرار ارتفاع الأسعار.
وانطلاقاً من تلك الحقائق، فإن الأنظار تتجه إلى أماكن جديدة مثل سيبيريا أو غرب إفريقيا وبالطبع منطقة بحر قزوين ووسط آسيا، حيث إن المخزون النفطي فيها لا يزال بكراً، وأغلب دولها ليست أعضاء في منظمة "أوبك"، إلا أن الاستثمار في تلك المناطق سيتكلف مبالغ طائلة وليس من المحتمل أن يظهر نفطها في الأسواق إلا بعد 5 سنوات على أقصى تقدير، مما يعني أن بدء الاستثمار فيها لن يؤثر على الأسعار الراهنة.
تامر أبو العينين- إعلامي مقيم في سويسرا