تنسيق السياسات المالية الأوروبية... وتحدي الانتخابات التشريعية الإيطالية تدابير جديدة لتنسيق السياسة المالية الأوروبية، وتوقعات بشأن الانتخابات الإيطالية، وتجاذبات الأزمة السياسية التونسية، موضوعات ثلاثة استقطبت اهتمام الصحافة الفرنسية مأزق «اليورو» ناقشت افتتاحية لصحيفة لوموند المطالب الضرورية لضمان استعادة منطقة "اليورو" عافيتها المالية، مؤكدة في البداية أن الجميع يعرف منذ عشرين سنة لب مشكلة العملة المشتركة، فالكل يدرك منذ توقيع اتفاقية ماستريخت أن هذه العملة لابد أن ترافقها حالة توافق وتنسيق وثيقة للسياسات المالية للبلدان السبعة عشر الأعضاء في منطقة "اليورو"، ومن دون ذلك سيبقى الترابط فيما بينها إما اسمياً وصورياً، أو في أسوأ الأحوال طريقة لنقل المشكلات النقدية وترويجها من اقتصاد إلى آخر. وكان جاك ديلور حذر منذ زمن بعيد، عندما كان في موقع المسؤولية الأوروبية، من استمرار اتباع سياسات مالية أحادية، بالنسبة لدول باتت متربطة معاً في عملة موحدة. وجاءت أزمة الديون السيادية الجارفة في بعض دول المنطقة، التي تحولت مع مرور الوقت إلى أزمة "يورو"، لتؤكد صحة كلام ديلور. ومن هنا فإذا كانت دول منطقة "اليورو" تريد حقاً الاستمرار في وحدتها النقدية، فإن عليها العمل على تنسيق سياساتها المالية بشكل عميق ووثيق ودقيق، وهذا يقتضي طبعاً إيجاد آليات توافق، ومراقبة، وربما حتى عقوبات، بإشراف جهة مركزية أوروبية. والآن بعد مرور ستة أشهر على اتفاق الضبط المالي الأوروبي، الذي قيل إنه سيجلب الاستقرار وعودة النمو، يبدو المسار واضحاً، وقد عبر عن ذلك التفاهم الذي تم التوصل إليه يوم الأربعاء الماضي بين المجلس الأوروبي والبرلمان الأوروبي الذي يقضي بأن المفوضية الأوروبية ستصبح في مقدورها أن تطلب من الدول التي تعاني عجزاً في ميزان مدفوعاتها -مثل فرنسا وإسبانيا وهولندا- أن تجري تعديلات على مشروعات ميزانياتها قبل عرضها على برلماناتها الوطنية. وفي المقابل تحصل المشرعون الأوروبيون أيضاً على تنازلات بشأن ضمان عودة النمو. وهذا التدبير الإجرائي الجديد يفترض أن يبدأ تطبيقه اعتباراً من ميزانيات عام 2014. أي أنه أصبح سارياً الآن عملياً. والحال، تقول لوموند، أن آلية المراقبة هذه هي النتيجة الحتمية -والضرورية- لإنجاح أطر التضامن التي تم التوصل إليها من قبل لإنقاذ "اليورو". والآن بات كل شيء واضحاً على المكشوف بالنسبة لدول منطقة "اليورو"، فالبلد الذي يريد البقاء في العملة الموحدة، ويرغب في الاستفادة من دعم البنك المركزي الأوروبي في حالة مواجهته لمصاعب مالية كبيرة، عليه الاستعداد للتخلي عن جانب من سيادته المالية، إذ لا يمكن أن نحافظ على "اليورو" من أجل سقف الأمان الذي يوفره، وفي الوقت نفسه نحافظ على كامل سيادتنا المالية مغردين خارج السرب. ومع ذلك، تقول الصحيفة، يبقى المتفق عليه على الورق شيئاً، وتبقى الوقائع الجارية في السوق شيئاً آخر. عودة برلسكوني في افتتاحية لا تخلو من حدة في صحفة ليبراسيون استعرض الكاتب بير سيرجان ملامح مشهد التنافس في الانتخابات الإيطالية المقررة غداً، متسائلاً في بدايتها إن كان المشهد الإيطالي الراهن لا يستحق استهجان ونقد بقية الشركاء الأوروبيين، وخاصة أن ثمة مخاوف جدية من عودة برلسكوني الأبدية إلى الصورة مجدداً، وهو يتقدم الآن مترشحاً للمرة السادسة، فيما تشير استطلاعات الرأي الأخيرة إلى تصاعد حظوظه، في تعبير لا تكاد تخطئه الملاحظة عن مدى اعتلال الحياة السياسية في بلاد ما زال فيها كثيرون قابلين للاقتناع برجل متهم على نطاق واسع بالفساد والإفساد. وكالعادة فقد بنى برلسكوني حملته الانتخابية على خطاب ديماغوجي يلعب فيه دور الفارس المتمرد على "اليورو" وألمانيا. ولكن للأمانة ليس برلسكوني أيضاً هو وحده المثير للقلق ضمن المتقدمين الآخرين للانتخابات. فهنالك "بيبي غريو" الذي يتبنى هو أيضاً خطاباً متعفناً عنوانه رفع قفاز التحدي باسم إيطاليا في وجه السياسات الأوروبية، وكذلك القاضي "أنتونيو إينغروا" الذي يكاد يجمع كسابقيه كل ما قد يكون في القضاء والسياسة من سلبيات. وأما رئيس الوزراء ماريو مونتي فيبدو أنه لم يعد يريد البقاء في المعترك السياسي، على رغم كونه قد حقق إنجازات ملموسة من الناحية المالية، ولكن خطاب التقشف والإصلاح المالي الذي يتبناه يجفل الناخبين، ويفقد خطابه كثيراً من الشعبية. ولا يبقى أخيراً سوى "بيير لويجي بيرزاني" الذي تقدمه استطلاعات الرأي حتى الآن، وهو ممثل لليسار المعتدل، الذي يبدو هو أيضاً مملاً وصارماً أكثر من عادته، وأكثر من نظارتيه الصغيرتين. ومع ذلك يبدو بيرزاني هذا هو أفضل خيار. فهو على الأقل رجل عادي يمكن أن يرأس حكومة. وفي سياق متصل نشرت صحيفة لوفيغارو تحليلاً سياسياً تحت عنوان "في إيطاليا، نهاية حملة مربكة" قالت فيه إن انتهاء الحملة الانتخابية الإيطالية أول من أمس الجمعة استعداداً للاقتراع اليوم الأحد وغداً الاثنين، في الانتخابات التشريعية، وانتخابات مجلس الشيوخ، أظهرت موجة من الارتباك بسبب وعود برلسكوني، وكذلك خطاب منافسه "بيبي غريو"، وأما وسط اليسار بقيادة "بيرزاني" الذي تتوقع الاستطلاعات حصوله على 35 في المئة فيفترض أن يتحصل على أغلبية في مجلس النواب. ولكن في المقابل يبدو أن توازن القوى في مجلس الشيوخ قد يفرض عليه البحث عن اتفاق مع رئيس الحكومة ماريو مونتي التي يتوقع أن تتحصل لائحته "القائمة المدنية" على 12 أو 14 في المئة من الأصوات. ومما يزيد تعقيد الحالة السياسية الإيطالية أن الدستور الذي تنتقده جميع الأحزاب دون أن تقدم على إصلاحه لا يتيح إمكانية تشكيل أغلبية مستقرة. وفي وقت تغوص فيه إيطاليا في عمق الكساد الاقتصادي، وقد أغلقت 114 ألف شركة أبوابها خلال العام الماضي، يبدو خطاب "بيرزاني" هو الأقل سوءاً، وخاصة أنه تعهد بالعمل لتحفيز التنافسية الاقتصادية، هذا في حين ما زال مونتي يكرر التأكيد على أن مشروعه يقوم على دعم المكاسب المتحققة في عهد رئاسته السابقة للحكومة. ولكن أخشى ما يخشاه المراقبون هو أن تغوص البلاد في حالة شلل سياسي بما قد يفرض تنظيم انتخابات أخرى في الخريف المقبل. تجاذبات تونس صحيفة لوموند اعتبرت في افتتاحية لها أن حركة "النهضة" التونسية تواجه الآن لحظة الحقيقة، وذلك لأنها منذ وصولها للسلطة إثر ثورة ليست هي من أطلقها، تجد نفسها اليوم في مواجهة الحال الأصعب، حيث يضرب العنف السياسي والتطرف ضربتهما، وخاصة بعد مصرع القيادي اليساري شكري بلعيد، هذا زيادة على الاحتقان الاجتماعي والمطلبي، الذي كان هو السبب أصلاً في إسقاط نظام بن علي. بل إن أصعب لحظات مراحل الانتقال وما بعد الثورات تحتشد الآن كلها في تونس. وجميع هذه التحديات لم يواجهها النهضة حتى الآن بطريقة ناجحة. وهذا أقل ما يمكن قوله. واعتبرت الصحيفة أن الحزب يتشكل في الواقع من تيارات مختلفة، فهنالك تيار الجبالي، رئيس الحكومة المستقيل، وهو تيار يبدو أكثر معرفة بمفردات الواقع التونسي بحكم كون معظم أفراده كانوا موجودين في تونس خلال عهد النظام السابق. والتيار الثاني يمثله الغنوشي الذي عاش لمدة عقدين في المنفى، وحين عاد وجد أمامه واقعاً جديداً في بلاد لم يعد يعرفها. وقد قدم أحد قيادات حزب "التكتل" الذي يمثل أحد أحزاب "الترويكا" الحاكمة في تونس توصيفاً حول تجاذبات حزب "النهضة" ومكوناته حين قال: "في النهضة هنالك من يعتقدون أن التونسيين هم من انتخبوهم، وهنالك أيضاً من يعتقدون أن الله هو الذي اختارهم"! وتتوقع الصحيفة في الأخير أن التجاذب الراهن داخل الأحزاب الحاكمة في تونس، وبينها وبين الأحزاب والقوى الفاعلة المعارضة، ما زال بعيداً عن الحسم، ويتوقع أن تظل فصوله تتوالى خلال الفترة المقبلة. إعداد: حسن ولد المختار