ليس عليك حرج مما يقال تحت كل الأحوال، عن تساهل جون كيري تجاه الإرهاب. إلا أن ما عليك حقاً التصدي له، السؤال عما سوف تكون عليه سياسته إزاء العراق، وما إذا كانت هذه السياسة ستختلف عن سياسة بوش أم لا؟ ومن الواجب أن تختلف إجابته عن السياسات التي ينتهجها بوش الذي غالباً ما تملي عليه قراراته الرؤى المغالية والرغبات والأفكار المثالية الحالمة. وخلافاً لذلك، فإن على كيري أن يكرس جهوده لما هو ممكن حقاً في العراق، وما يجب عليه فعله بغية حماية الأمن الأميركي. من جانبه يزعم بوش أن ما ينادي به كيري من تحقيق الأمن والاستقرار في العراق، وإعادة بنائه، هو من صميم ما تعمل إدارته على تنفيذه سلفاً هناك. والواقع أن شيئاً من ذلك لم يحدث على أرض الواقع، لكون مثل هذه التصريحات لا تتجاوز حدود التصريحات التي يدلي بها بوش لا أكثر. ولمن يشكك في مثل هذا القول، فإن لدينا 18 شهراً من أفعال إدارته التي تناقض كلية، ما يقوله بوش.
فالسجل الحقيقي هو لأولئك المسؤولين الذين رفضوا الاعتراف بخطأ تصوراتهم المثالية الواهمة للمسار الذي ستمضي عليه الحرب على العراق. بل واصل هؤلاء الدفع بنا جميعاً إلى أعماق المأزق العراقي، نتيجة لإصرارهم على أن كل شيء هناك، يمضي وفق خطة مدروسة ومُحكمة. وهناك الكثير من التغطيات الصحفية حول إخفاق الإدارة في فعل أي شيء جاد وإيجابي إزاء إعادة إعمار العراق. غير أن ما غاب في تلك التغطيات، هو تناول الإخفاق الموازي للإدارة في الأخذ على محمل الجد، بقضية الاستقرار الأمني في العراق، حتى ضاع جزء كبير من العراق من بين أيدينا بالفعل. وحتى بعد مضي وقت طويل على ما بدا أننا نخوضه من حرب عصابات استنزافية طويلة الأمد، ظل المسؤولون الذين عينهم بوش في العراق، على تشبثهم بنشر الوهم القائل إننا نخوض حرب معارك ثانوية محدودة النطاق، مع حفنة من المقاتلين اليائسين والإرهابيين الأجانب.
وبالنتيجة، فقد ضاعفوا من صفوف أعدائنا - علينا أن نذكر هنا أن مقتدى الصدر لم يكن متوقعاً منه يوماً أن يكون صديقاً لنا، غير أنه لم يكن من الضروري بالنسبة له أن يتحول إلى عدو لدود لنا كما فعل-. بل تعامل أولئك المسؤولون مع قوات الأمن العراقية بالكثير من التعالي والازدراء، حتى أنهم لم يزودوها بما تحتاجه من عتاد وتدريب كافيين.
في مقال تحليلي له تحت عنوان" الفشل غير المبرر"، سرد أنتوني كوردزمان، من مركز الدراسات الاستراتيجية الدولية، تفاصيل دقيقة حول الفشل الأميركي في التعامل مع شركائنا العراقيين في الجهود التي نبذلها ضد أعمال العنف والتمرد هناك. وقال بصريح العبارة: لقد ارتكب المسؤولون الأميركيون خطأ فادحاً أسفر عن هذا الفشل العسكري الإداري والمعنوي الكبير. الكارثة الكبرى أن الخطأ نفسه لا يزال مستمراً. ذلك أن كل الدلائل تشير إلى أن مسؤولي إدارة بوش لا يزالون على قناعتهم الراسخة بأن المزيد من الضغط العسكري- في أعقاب فوز بوش بالحملة الانتخابية الرئاسية المرتقبة- سوف يكون كفيلا بأن يضع حداً للمواجهات العسكرية الجارية في العراق. وهذا يعني أنهم لم يفكروا بعد في كيفية التصدي الجاد، لحرب عصابات طويلة الأمد وشرسة المعارك.
إذن فإن جوهر هذا العناد والتجاهل، هو رفض مواجهة الحقائق المريرة والمؤرقة. فلدى مواجهته ببؤس تقدير وكالة المخابرات المركزية للموقف العراقي قبيل الحرب –وهو تقييم لم يكن بأفضل حال من أي تقييم يضطلع به أحد المحللين المستقلين- كان رد فعل بوش على هذه الحقيقة هو "إنهم لم يكونوا ليفعلوا شيئاً أكثر من التخمين"! وعلى حد قول كوردزمان، في مقالته المشار إليها آنفاً، فإن كبار المتحدثين باسم الإدارة الحالية، يبدو أنهم لا زالوا يعيشون في أرض الأوهام والخيال. وها هي أرض الأوهام والخيال، وقد امتدت بالأمس القريب إلى "حديقة الزهور"، حيث أعلن بوش عن سروره بإيجابية آخر استطلاعات للرأي العام بين العراقيين، حول ما إذا كانت بلادهم تمضي في الاتجاه الصحيح، وقال إن تلك النتائج كانت مشابهة لنتائج استطلاعات للرأي العام الأميركي حول مسار الأمور في العراق، واصفاً النتيجتين بأنهما مؤشر إيجابي.
فإلي أين يمضي بنا بوش؟ الملاحظ أنه كلما ساءت الأوضاع في العراق، كلما ازداد فهمه لأهدافه غموضاً والتباساً. قال بوش مخاطباً الأمم المتحدة، "يكمن أمن عالمنا في حفز وتقدم الحقوق الإنسانية". ولكن المشكلة هي أنه لا يؤمن بهذا حقاً. فهو يطري على نظيره الروسي فلاديمير بوتين، على الرغم من خنق هذا الأخير للمؤسسات الديمقراطية في بلاده. أما ما خفي تحت تصريح بوش المعلن، فهو رفضه التخلي عن فكرة تحويل العراق إلى دولة طيِّعة خنوعة، بسبب عجزه عن الإقرار بالخطأ، علماً بأن ذلك الطموح آيل للموت، ما لم يتدبر بوش طريقة ما، لجلب المزيد من مئات الآلاف من الجنود الأميركيين إلى العراق. ولكن ليس علينا أن نذهب إلى هناك مجدداً. كما أنه ليس على السياسات الأميركية أن تبقى رهينة لـ"عقدة العصمة من الخطأ" التي يعانيها بوش شخصياً. وفي