تمر الثورتان التونسية والمصرية بأزمات حقيقية، أثارها في الأولى اغتيال شكري بلعيد، الأمين العام لحزب الوطنيين الديمقراطيين الموحّد، في السادس من فبراير، وأثارها في الثانية، استمرار الأزمات السياسية والاحتجاجات بشكل يومي في ميادين القاهرة. والحقيقة أنّ الثورات تمثل حالة خاصة في حياة الشعوب والمجتمعات، تعيش فيها تلك الشعوب حالة من عدم الاستقرار السياسي والأمني، وكذلك تراجع الوضع الاقتصادي للمواطنين لفترة طويلة. وباستعراض تاريخ الثورات في العالم، نجد أنها تمر بفترة طويلة قبل أن تستقر الأوضاع في جنبات بلادها. فالثورة الروسية، التي بدأت عام 1917، استمرت لمدة 5 سنوات، ولم تنتهِ إلا عام 1922. وبالمثل، استمرت الثورة الأميركية قرابة ثمانية أعوام، وفي المقابل استمرت الثورة الفرنسية قرابة عشرة أعوام. أما ثورة كاسترو في كوبا، فقد استمرت زهاء سبعة أعوام، وربما كانت أقل الثورات عمراً هي ثورة الخميني في إيران، التي استمرت زهاء عام ونصف العام. وهذا يعني أنّ عمر الثورات يتراوح في المتوسط بين خمسة إلى عشرة أعوام. وفي المقابل، فإنّ الثورات العربية سواءً في تونس أو في مصر، لم تتعدَّ السنتين حبواً. والحقيقة أن الثورات الكلاسيكية، هي عبارة عن فصل واحد في فصول ثورية متعددة. فقد سبقت الثورة الصينية، على سبيل المثال، ثورات وحروب أهلية، واحتلال أجنبي. ويمكن القياس على ذلك بالثورة البلشفية التي سبقتها الثورة الروسية، وغيرها من الثورات والاحتجاجات والحروب، أهلية كانت أم عالمية. وهكذا، فإنّ الثورات تعبّر عن مخاض عسير لا ينتهي بانتهاء السلطة المهيمنة الأولى، واحتلال فصيل جديد للسلطة في البلاد. بل هي معارك وصراعات متعددة بين فصائل وأحزاب تنتهي بظهور ديكتاتور أو زعيم أوحد، ولو برداء ديمقراطي. ولم نتعوّد تاريخياً أن تكون هناك عناصر عنف أو تطرّف في تونس، إلا أنّ اغتيال شكري بلعيد، أثار مخاوف متعددة من تحوّل الثورة التونسية الخضراء إلى ثورة دموية. أما في مصر، فقد كانت الثورة في بدايتها سلمية، غير أنّ الحال قد يتغيّر في أي لحظة، وخاصة إذا استطاعت فئة معينة داخل الجسد السياسي تجييش جماعات بشعور جيّاش حتى تدافع عن سلطتها، أو أن تطمح إلى مقارعة استئثار مجموعة معيّنة أخرى بالسلطة. وحين يدرس المرء الثورات التاريخية، يرى أن البعد الخارجي يمكن أن يلعب دوراً إيجابياً أو سلبياً في توازن القوى داخل الثورات. ويمكن أن يكون للاحتلال الياباني للصين خلال الحرب العالمية الثانية دور في تحريض الحزب الشيوعي وقادته لمقاتليه على خوض حرب طويلة، انتهت بانتصارهم عام 1949. وفي الثورات الديمقراطية في شرق أوروبا، خلال عقد التسعينيات، لعبت المساعدات الأوروبية، خاصة الألمانية، دوراً في دعم التوجه الديمقراطي للحكومات اللاحقة في بولندا وتشيكيا، وغيرهما من بلدان حلف وارسو السابقة. وقد وجدت دراسة حديثة أن الثورة التشيكية حصلت على أموال كثيرة كدعم من الاتحاد الأوروبي خلال الفترة من عام 1989، وحتى عام 2004. وفي الوقت الحاضر، تلعب الولايات المتحدة دوراً رئيساً في دعم بعض أحزاب الإسلام السياسي، في البلدان العربية، مفترضة أنها قوى يمكن أن تكون ديمقراطية، وأن تمثل شرائح من نخب المجتمعات العربية. وكانت الولايات المتحدة وغيرها من البلدان الأوروبية لا تثق في هذه الحركات، إلا أن سياساتها البراجماتية دفعتها إلى التعامل معها، ودعمها. وفي العراق أيضاً، تعاملت الولايات المتحدة مع المرجع السيستاني في القضاء على نظام صدام، وإحلال نظام طائفي محلّه. ولذلك، فإنّ البعد الخارجي هذه المرة، المتمثل في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وغيرهما من الدول والقوى الإقليمية ، يمثل قوى دعم خارجية لثورات بدأت تأخذ طابعاً أصولياً، وليس بالضرورة ديمقراطياً. ويمكن أن يكون للتدخل الخارجي طابع معاكس يساعد في عدم إنجاح أو حتى إفشال الثورات، ومثال التدخل الإيراني في سوريا واليمن وغيرهما من البلدان العربية، يعدّ عنصراً بارزاً في أخذ بعض الثورات العربية لمسار طائفي. ولذلك، فإنّ الثورات لا تؤمن بنظرية حرق المراحل، بل هي كمارد قد يلتهم كل من يقف في طريقه، حتى لو كان من أبناء الثورة نفسها، ومن قياداتها. وفي الثورات القديمة، كانت تقع في المجتمعات التي ولدت فيها مجتمعات ريفية أو زراعية في الغالب، أما الثورات الديمقراطية الحديثة، فهي ثورات مدن تعيش على الإنتاج الصناعي والخدمات. ولا يمكن لمثل هذه المجتمعات الحديثة أن تتحمل أعباء الثورات لفترة طويلة، كما كان الحال في عهد الثورة الفرنسية، أو الثورة الصينية. فالناس اليوم يثورون على نظام مستبد قديم، غير أنهم يريدون أن يرسلوا أبناءهم إلى المدارس، ويريدون الحصول على رغيف عيش لا يستطيعون إنتاجه بأنفسهم، كما يريدون لوظائفهم، أو أعمالهم، أن تستمر. وبالمثل، فإنّ عمليات القتل والاغتيال تهز ضمائرهم، ولذلك فهم لن يستطيعوا تحمّل ما تفرضه الثورات وعدم الاستقرار السياسي من مآس عليهم وعلى أسرهم. وهذا ما قد يدفع الثورات وقادتها إلى التخلّي عن أسلوبهم في الدفع والتجييش، حتى يستطيعوا أن يؤمّنوا حياة مستقرّة لمواطنيهم. والدرس الرئيس هنا هو أنّ الثورات التي لا تستطيع أن تكبح جماح التأجيج والعنف داخل أطرها ستُواجَه بردّة فعل عنيفة داخل مجتمعاتها، وربما جففت أطر العون والدعم الخارجي لمؤسساتها الاقتصادية. مخاض الثورات لم ينتهِ بعد، وربما يحمل قادم الأيام تعقيدات جديدة في ولادة عسيرة.