منذ استفحال الأزمة المالية الأوروبية لم يعد هنالك حديث لدى كثير من خبراء الاقتصاد الفرنسيين، والأوروبيين، سوى عن أسباب قوة ومتانة النموذج الاقتصادي الألماني، التي جعلت الألمان هم الأقل تضرراً بتداعيات الكساد، والأقدر على الإقلاع مجدداً واحتواء انخفاض معدلات النمو، ومطبّات الديون، التي راح شركاؤهم الأوروبيون يتخبطون في دواماتها، فيما شكلت برلين رافعة للبيت الأوروبي كله من خلال تحملها أعباء برامج الدعم، وأيضاً عن طريق حفاظها على العملة المشتركة "اليورو" حتى لا تنهار، وتنفرط المنظومة المالية الأوروبية، التي تعد مكسباً اتحادياً تحقق لشعوب القارة العجوز بعد جهود تاريخية مضنية. ولكن ضمن موجة الإبهار العارمة بقوة ومتانة النموذج الألماني تلك شاع أيضاً كثير من الصور النمطية، والأحكام المسبقة حول ذلك النموذج. وهذا ما يسعى لتصحيحه الكتاب الذي نشير هنا بشكل خاطف إلى بعض محتوياته، وعنوانه: "صنع في ألمانيا: النموذج الألماني بعيداً عن الأساطير"، وهو للمؤلف الفرنسي غيوم ديفال، مهندس وخبير التكوين والتخطيط، الذي عمل سنوات مديدة في الصناعات الألمانية، ولذلك فإن لديه معرفة عميقة بها من الداخل. وفي بداية كتابه هذا يناقش الكاتب بعض الأفكار الشائعة في فرنسا حول أسباب وخلفيات القوة الاقتصادية الألمانية، التي يعتقد كثيرون أن منشأها الأساس يكمن في اتباع السياسات المالية الصارمة، والقدرة على تحمل التضحيات والتدابير التقشفية القاسية. وأن هذا هو ما يجعل الاقتصاد الصناعي الألماني تنافسياً وقوياً وغير قابل للاهتزاز بسبب الأزمات الاقتصادية والمالية. هذا في حين أن مصادر تلك القوة تكمن في جوانب أخرى راسخة في أسس الاقتصاد الألماني التقليدية وفي مقدمتها وجود نسق اجتماعي للضمان والأجور والالتزامات العامة شديد التنظيم، وعالم إنتاجي مثمر والعبرة فيه بالنتيجة، وليست الشهادة فيه هي كل شيء. هذا إضافة إلى تحفيز روح التجديد والاختراع وتوسيع هوامش حرية التسيير في الشركات، والتخصص الصناعي الراسخ في مجالات معينة. كما يلعب وجود مجموعة واسعة من الشركات الكبرى القوية دور الحاضنة والعمود الفقري للاقتصاد الكلي، وتساعد هوامش اللامركزية الموسعة أيضاً بتوزيع عادل لرأس المال البشري والمالي والثقافي على مختلف أقاليم وولايات البلاد، وهو ما يحفز بدوره التوزيع القطاعي المتوازن للاقتصاد، ويشجع على المزيد من التجديد والتنافس الإيجابي والابتكار. ويذهب الكاتب إلى أن هذه الأسس الصلبة التي يقوم عليها اقتصاد ألمانيا جعلتها تستفيد خلال العقد الماضي من صعود الدول البازغة، وتحول نجاحات تلك الدول القوية إلى عنصر داعم للاقتصاد الألماني، بدل أن تعتبرها فاقداً مخصوماً من قوتها الاقتصادية، على نحو ما نظرت بتلك الطريقة دول غربية أخرى شعرت وكأن الدول البازغة ستنتزع منها ميزة سبقها التقليدي على صعيد عالمي. ومع ذلك حين جنحت ألمانيا مع بداية العقد الماضي أيضاً إلى اتباع سياسات دولة الرعاية الاجتماعية في عهد المستشار السابق شرودر، تعرض النموذج الألماني لاهتزاز حقيقي، وظهرت عليه أعراض الهشاشة والضعف، حيث ارتفعت معدلات الفقر، وتفاقمت حدة التفاوت في الدخل، وغير ذلك من مشكلات اجتماعية اقتضت مواجهة صارمة لاحتواء تداعياتها اللاحقة. ولعل ذلك هو ما يفسر بعض سياسات ألمانيا الراهنة الحريصة على إعادة تعظيم جوانب قوتها الاقتصادية التقليدية، وهي سياسات تحاول إقناع شركائها الأوروبيين بتبنيها، وأولها الصرامة في الحسابات والميزانيات، واتباع سياسات التقشف الصارمة في أوقات الاهتزاز الاقتصادي، مهما كانت تكلفة ذلك اجتماعياً، وسياسياً، على نحو ما نرى الآن من تظاهرات عارمة في اليونان، وغيرها من الدول الأوروبية المتعثرة، احتجاجاً على سياسات التقشف والإصلاح الهيكلي للنظام المالي والاقتصادي، بصفة عامة. وفي الأخير ينبه الكاتب الفرنسيين والأوروبيين إلى ضرورة فهم النموذج الألماني الذي يتفنون في كيل المديح له، والنظر إليه في سياقه الاقتصادي والتاريخي، والثقافي الخاص. ومع أن من الصعوبة بمكان استنساخ ذلك السياق بحذافيره في بلد آخر، إلا أن الموجِّهات العامة، وعوامل النجاح فيها يمكن استصحابها والاستفادة منها في الدول الأخرى، وخاصة بالنسبة لدولة كفرنسا تعاني من ضعف التنافسية الصناعية، وتتكبد أعباء باهظة بسبب أعباء نموذج دولة الرعاية التي تثقل الخزينة العامة، هذا زيادة على التزاماتها الأخرى الكثيرة تجاه شركائها الأوروبيين المتعثرين. حسن ولد المختار الكتاب: صنع في ألمانيا: النموذج الألماني بعيداً عن الأساطير المؤلف: غيوم ديفال الناشر: سوي تاريخ النشر: 2013