حين وصلتني الدعوة لحضور اجتماع اللجنة المكلفة بتفعيل منظمة التحرير الفلسطينية يومي 8 و9/2/2013، وفقاً لإعلان القاهرة الصادر بتاريخ 17/3/2005 ترددت بخصوص الحضور من عدمه. فنحن أمام الاجتماع الثالث، بعد أن سبقه اجتماعان كان لهما وقعهما على قلبي حين عقدا. فما حاجتي، إذن، إلى معاناة إضافية؟ غير أن قراءات وكتابات قديمة/ جديدة عن أهمية ومعاني وآفاق هذه اللقاءات جعلتني أقرر الذهاب. فنحن نمر في أزمة صعبة ومعقدة تخص كل فلسطيني (بل كل عربي ونصير أممي) يغار على القضية، بعد أن بات مصيرها وحقوقنا الوطنية الثابتة في خطر شديد، الأمر الذي يجعل المصالحة على درب إنهاء الانقسام ضرورة وطنية فلسطينية بامتياز، بل أولوية أولوياتنا. ولعلني لا أذيع سراً إن أشرت إلى قلق عارم أصابني -وكثيرين غيري- من محاولات آثمة ومساع خبيثة لتحويل القضية النبيلة الخاصة بالمصالحة -على درب إنهاء الانقسام- إلى مجرد "مصالحة عشائرية" دون إنهاء الانقسام، أو بعبارة أخرى تحويل الجهود بحيث تركز على "إدارة الانقسام" أو مجرد "تطبيع" في العلاقات بين حركة فتح (وحلفائها) وحركة حماس (وحلفائها) في ظل سلطتين -أم نقول بلديتين- واحدة في الضفة الغربية والأخرى في قطاع غزة! وغني عن الذكر أن هذه "عمليات" مرفوضة مثلما هو مرفوض تحويل جهود المصالحة إلى "عملية" للمصالحة -أم نقول "مصلحة"- تطول حبالها، بحيث تنافس عملية "السلام" التي مضى عليها ما يكاد يزيد على عشرين عاماً! ومن موقفي المستقل في القيادة الفلسطينية، حقاً، إنني لمحزون. ففي الأيام القليلة الماضية، شارك بعض القادة الفلسطينيين، الذين أصلاً لم يحضروا الاجتماعات، شاركوا عبر الإعلام العربي بل والغربي، في محاولة إظهار فشل هذه اللقاءات التصالحية الهادفة فشلاً مبرماً! وكثر الحديث عن "هذا" الفشل عبر تجاهل حقائق مهمة، وكأن حل المسألة يكون باجتماع قيادي أو اثنين عبر عصا سحرية بيد الفلسطينيين، مع إغفال كون المصالحة فعلاً تراكمياً للخروج من تبعات انقسام مستمر منذ سنوات طويلة. هذا، إلى جانب إغفال حقيقة ثانية عبر تجاهل التداخلات (اقرأ: التدخلات) العربية والإقليمية والدولية التي بمعظمها لا تريد خيراً لجهود المصالحة (التي يتوجب أن تكون خطوة على درب إنهاء الانقسام) بل هي أصلاً لا تريد خيراً للفلسطينيين، أو للقضية الفلسطينية (ناهيك عن العرب والقضايا العربية). وفي المقابل، كانت ثمة تجليات لمواقف إيجابية مما جرى في اجتماعات القاهرة. وفعلاً، جاءت تنويعات الموقف الإيجابي في تصريحات قيادات فلسطينية حضرت الاجتماع وشاركت في أعماله: فعزام الأحمد، مسؤول الملف فتحاوياً، الذي يعتبر المصالحة "شرط أن تكون خطوة على درب إنهاء الانقسام" مسألة وطنية عامة، بل وحتى شخصية باعتباره "دينامو" المصالحة الفتحاوي والممسك تفصيلياً بملفاتها، مدعوماً بثقة الرئيس "أبو مازن"، سواء في نواياه التصالحية الطيبة، أو في كفاءته في مجال إدارة هذا الملف. بل إن عزام شديد العزم في "حروبه" ضد مقاومي المصالحة، سواء في داخل حركة "فتح" أو عند بعض من "حلفائها"، أو في داخل حركة "حماس" أو عند بعض من "حلفائها" أيضاً، علماً بأن "حماس" تثق في (عزام -أبو نداء) كونه شفافاً في نقد قيادات وكوادر في حركته (وحلفائها)، وفي نقد قيادات وكوادر في حركة حماس (وحلفائها). وقد أبدى "أبو نداء" ارتياحاً لما تحقق وما سيتحقق مع مرور الوقت. ومن جهته مشعل، رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" الذي يدرك بوعي، ويسهم أيضاً بالفعل، في الدعوة إلى تحقيق المصالحة، قال: "قادرون معاً أن نصنع الإنجاز بما يتطلع إليه شعبنا، وفي ضوء كل العوائق والإشكاليات السابقة. لا شك أن النجاح في تنفيذ الخطوات على الأرض يحتاج لبعض الوقت وكثير من العزم والإصرار حتى نحقق الإنجازات ونصنع مصالحة حقيقية، ونطوي صفحة الانقسام دون رجعة". وكان (خالد -أبو الوليد) قد قدم مداخلة أثناء الاجتماع تموج كلماتها بالوعي وبالحرقة والإخلاص لقضية المصالحة (على درب إنهاء الانقسام). وهو قد أجاد في طرح تصوراته للقواسم المشتركة مع حركة فتح (وحلفائها)، ولم يبخل في مديح الرئيس "أبو مازن" مع توضيح كامل لمواقف "حماس" السياسية ذات الطبعة التكتيكية. أما عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية الدكتور ماهر الطاهر فشدد على رغبة الشعب الفلسطيني في حل جذري للانقسام ورفض إدارته، وأضاف: "في هذه اللقاءات نستمع لوجهات نظر بعضنا بعضاً بشكل مباشر، ولقد لمسنا تأثير هذا الأمر على اللقاءات وقد وافق ابو مازن على أنه ستكون هنالك اجتماعات قريبة ومنتظمة بالنسبة للإطار القيادي". ومن جهته، اعتبر (أحمد قريع - أبوعلاء) أن "الاجتماع كان إيجابياً، وجرى كما قررت وثيقة المصالحة، وبالتالي لم تتوقف عملية البحث فيه على قضايا المصالحة فقط، بالرغم من أنها القضية المركزية المطروحة، إلا أنه تناول أيضاً مختلف القضايا السياسية والاقتصادية، وغير ذلك التي تواجهها المنظمة والمسيرة الوطنية". طبعاً، المجال هنا لا يتسع لذكر ما قاله كل من ممثلي الفصائل والقوى. غير أن الطرح الذي قدمه بسام الصالحي باسم "حزب الشعب الفلسطيني" كان جريئاً وناضجاً بعقلانية تليق به وبحزبه. وكذلك الحال مع مصطفى البرغوثي الذي تحدث -كعادته- في قضايا سياسية ونضالية محددة، سرعان ما شكلت -مع مداخلة الصالحي- قاعدة للمداخلات المهمة اللاحقة. بل إن "أبومازن" اغتنم الفرصة (لاحقاً) للإشادة بالبرغوثي وبنضاليته الميدانية أيضاً، داعياً الآخرين إلى الاقتداء به. وعظيم، وجرأة أدبية، أن يمتدح عباس سياسياً "منافساً".. لكن هذا جانب من جوانب عديدة لأبي مازن. ويبقى أن نعرض لما اعتبره شهادة شخصية مني مع تثبيت ما اعتبره أهم الخلاصات التي أسفرت عنها الاجتماعات القيادية الفلسطينية في القاهرة. وهذا ما سيتضمنه مقالنا القادم.