في حين كان انتباه بوش في الفترة الماضية مركزا على المشكلات المزعجة التي يواجهها في بلاد نائية مثل أفغانستان، والعراق، وإيران، وكوريا الشمالية، فإننا نراه الآن يركز انتباهه على كوبا التي يمكن أن تسبب له مشكلات في فنائه الخلفي في السنة التي ستجرى فيها الانتخابات·
واهتمام بوش الجديد بـ كوبا ، يأتي في وقت يقوم فيه دليل على وجود انشقاق سياسي بين فيديل كاسترو ومؤيديه المتعصبين من ناحية، وبين مجموعة من المسؤولين المتنفذين والعسكريين الذين يحبذون قيام كوبا بتبني نهج أكثر ليونة في الداخل، وأكثر حرارة في الخارج وخصوصا فيما يتصل بالعلاقات مع الولايات المتحدة الأميركية·
ومن بين المؤشرات المثيرة للاهتمام على ذلك الصدع، ما قام به الزعيم المنشق أوزوالدو بايا عندما قدم التماسا يحمل 14,384 توقيعا إلى البرلمان الكوبي، يطالب أصحابها فيه بإدخال إصلاحات سياسية شاملة في البلاد· ومما يذكر في هذا السياق، أن الرجل نفسه قد قام العام الماضي بتقديم التماس يحمل 11 ألف توقيع إلى الجمعية الوطنية يطالب أصحابها بإدخال تغييرات مماثلة· وقد قام المشرعون في الجمعية الوطنية برفض تلك الالتماسات، وتلى ذلك قيام الحكومة بشن حملة مشددة على المعارضة، وإصدار أحكام سجن طويلة بحق عدد كبير من الناشطين· وعلى رغم الإجراءات الصارمة التي اتخذتها الحكومة، فإن بايا صمم على الاستمرار، وعاد من جديد هذا العام· ويقول المراقبون الكوبيون العارفون بدقائق الأمور، إن بايا على ما يبدو يحظى بحماية مسؤول يحتل منصبا عاليا· وفي هذا الصدد صرح أحدهم قائلا:
في دولة مثل كوبا يجب على المرء أن يكون حريصا على ألا يقوم بشيء يهز الاستقرار أو يتعارض مع السائد أو المألوف· فالنظام الأمني فيها صارم، ولا يستطيع المرء -كما فعل بايا - أن يقوم ببساطة بالتوجه إلى الجمعية الوطنية لتسليم التماس يدعو فيه إلى إجراء استفتاء على حرية الكلمة، وحرية الاجتماعات، وإلى العفو عن المسجونين السياسيين··· لا بد أن شخصا ما سمح له بالقيام بذلك، شخصا فتح له الباب كي يفعل ما فعله ·
على الجانب الآخر من الصورة، يستمد المتشددون المحيطون بـ كاسترو بعض الراحة، من التصعيد الواضح للمرتبة التي يحتلها راميرو فالديز وزير الداخلية الأسبق شبه المتقاعد، والمشهور بميوله وأنشطته القمعية· ففي احتفالات العيد الوطني لكوبا بتاريخ 26 يناير الماضي حظي فالديز بموقع شرفي بجوار كاسترو ، مما أثار تكهنات بأن الأمر قد يصل إلى درجة تعيينه كخليفة للزعيم الكوبي، وهو موقع كانت الفكرة السائدة منذ وقت طويل أنه محجوز لـ راؤول كاسترو الذي يقال إن صحته الآن قد أصبحت مثار تساؤلات·
والموضوع الذي ينقسم بشأنه الفرقاء الكوبيون هو أن كوبا يجب أن تقدم نفسها بصورة مختلفة إلى العالم الخارجي وخصوصا في هذا الوقت الذي أصبح فيه الاقتصاد الكوبي في حالة من الفوضى العارمة· في الوقت نفسه نجد أن بوش يتبنى موقفا متصلبا فيما يتعلق بتطبيع العلاقات بين بلاده وبين كوبا، لأنه يرى أن القيام بذلك قد يفتح الباب أمام تدفق طوفان من عمليات التجارة والسفر من كوبا على أميركا، وتدفق كميات كبيرة من الدولارات الأميركية على كوبا التي يحتاجها اقتصادها بشدة·
ويذكر في هذا السياق أن نورمان كولمان السيناتور الجمهوري عن ولاية مينيسوتا قد قام بزيارة لكوبا منذ عدة أسابيع ، وفي ذهنه التصويت بعد عودته على رفع العقوبات المفروضة على كوبا، بيد أنه غير رأيه بعد اللقاءات التي أجراها مع المنشقين الكوبيين· فضلا عن ذلك، تسببت الحملة الصارمة التي تشنها الحكومة الكوبية على هؤلاء المنشقين، إلى انخفاض درجة الدعم الذي كان يمكن أن يتم توفيره في مجلس النواب الأميركي بشأن رفع الحظر المفروض على السفر إلى كوبا ، والذي يمكن أن يؤدي -كما يرى بعض الاقتصاديين- إلى ضخ ما يزيد على 500 مليون دولار سنويا إلى تلك الدولة· أما بالنسبة لموقف الرئيس بوش شخصيا فهو معارض لتطبيع وتحرير العلاقات مع كوبا، بل إنه تعهد بتنفيذ الحظر المفروض عليها بأسلوب أكثر صرامة·
وفي لقاء أجراه مؤخرا مع المنفيين الكوبيين والجماعات المناوئة لـ كاسترو قال بوش : يجب على كوبا أن تتغير ، وأضاف الرئيس ما معناه أنه بصدد إنشاء لجنة حكومية للمساعدة على نقل كوبا إلى الديمقراطية بمجرد أن يتخلى كاسترو عن السلطة· وسبب اهتمام بوش باللقاء مع المنفيين الكوبيين هو أنهم يشكلون كتلة انتخابية مهمة في ولاية فلوريدا، يمكنها أن تساعده في الانتخابات القادمة·
لم يكن هذا هو التخفيف المطلوب في الموقف الأميركي الذي يمكن أن يعتبره كاسترو ضروريا له كي يقوم بدروه بالتخفيف من آثار وتداعيات الأزمة المالية الرهيبة التي تواجهها بلاده· ويقول أحد المقربين السابقين من الزعيم الكوبي إنه يواجه في الوقت الحالي مأزقا صعبا· فمن ناحية يجد كاسترو أنه يمكنه التودد إلى بوش عن طريق تقديم جزرة في صورة تنازلات مثل تلك التي يطالب بها كما هو ظاهر من بعض المؤيدين الأكثر براجماتية من أفراد حاشيته·ولكنه