في عام 2004، طبع "مجلس الاستخبارات القومي الأميركي" نتائج مسحه الرابع للسيناريوهات المختلفة لمستقبل الطاقة، التي كان مقصوداً بها في تلك الحالة: كيف يمكن أن يبدو العالم عام 2025. وعلى رغم أن العديد من الملاحظات كانت صائبة في وقتها، وما زالت لها صدقية حتى اليوم؛ فقد كان هناك بند جرى تجاهله في ذلك المسح، وهو ذلك المتعلق بالثورة في إنتاج أنواع الوقود الحفري في أميركا الشمالية التي حدثت بفضل التقنيات الجديدة، بما في ذلك تقنية التفتيت الهيدروليكي للغاز الصخري. وفي الوقت الراهن، نجد أن إنتاج الغاز الطبيعي المحلي في الولايات المتحدة، قد شهد ارتفاعاً كبيراً ما أدى إلى انخفاض أسعاره، وشجع العديد من الصناعات التحويلية على إقامة مصانعها بالقرب من حقول الغاز الجديدة؛ علاوة على أن واردات الولايات المتحدة من الغاز الطبيعي المُسيّل التي كانت تعتبر جوهرية منذ عشر سنوات قد توقفت الآن أو كادت. وهناك أمثلة عديدة أخرى تبين مدى صعوبة إجراء تنبؤات طويلة الأمد بشأن إمدادات الطاقة. وصادرات هذا العام من فحم الولايات المتحدة إلى أوروبا آخذة في التزايد، على رغم الأمل الذي يراود أوروبا في أن تكون "المنطقة الأكثر اخضراراً في العالم" بسبب اللوائح الصارمة التي تطبقها على انبعاثات الكربون التي يمكن أن تساعد على تحقيق هذا الهدف بالفعل. بيد أن تحقيقه تعطل؛ بسبب الأحداث غير المتوقعة، ومنها على سبيل المثال لا الحصر موجات المد العالي "تسونامي" التي ضربت اليابان عام 2011 وأجبرتها على إغلاق منشآت الطاقة النووية الموجودة في مدينة "فوكوشيما"، وما ترتب على ذلك من ارتدادات على الطاقة النووية في مختلف أنحاء العالم. وفي دولة مثل ألمانيا، لا يزال من غير المتيقن حتى الآن التنبؤ بمستقبل الطاقة النووية. فعلى رغم أن لدى هذه الدولة خططاً طويلة الأمد لتحقيق تطوير جوهري في كفاءة استخدام الطاقة بغرض تقليص الطلب عليها، إلا أنها ستضطر في سبيل ذلك لإحراق المزيد من الفحم، لمقابلة الحد الأدنى من الاحتياجات في المدى المتوسط. ومن ناحية أخرى تقول دولة أخرى مثل فرنسا، إنها تنوي المحافظة على قوتها النووية، ومع ذلك نجد أنها منعت في نفس الوقت عمليات استخراج الغاز الطبيعي من الصخور المشتملة عليها عن طريق تقنية "التفتيت الهيدروليكي" المشار إليها من قبل. ومن بين الأسباب التي تدفعها إلى ذلك خوفها على البيئة؛ ولكن هناك أيضاً معارضة من جانب الصناعة النووية، ومن جانب الشركات الضالعة في استيراد الغاز لها، ومن بينها الشركة الروسية العملاقة "جازبروم". وإذا ما استمرت تقنية التفتيت الهيدروليكي في التحسن، وأمكن التخفيف من حدة المخاوف البيئية، فقد يكون بإمكاننا مشاهدة ازدهار عالمي في استخدام الغاز الصخري وإنتاج النفط. وتجدر الإشارة إلى أن الطبيعة قد حبت بلداناً عديدة -غير أميركا الشمالية- مثل بولندا، والأرجنتين، وجنوب أفريقيا، والصين، بكميات كبيرة من رواسب الغاز الصخري؛ إلا أن المشكلة، أن كل دولة منها تواجه تحديات فريدة (أي خاصة بكل منها على حدة) بشأن تطوير هذه المصادر. ففي بعض الحالات تكمن أسباب ذلك في مخاوف بشأن البيئة؛ وفي حالات أخرى تكمن في الافتقار إلى كميات كافية من إمدادات المياه العذبة، التي تعتبر في الوقت الراهن عنصراً جوهرياً من عناصر عملية تفتيت الصخور الحاملة للغاز. والقيد الأخير تحديداً يعد من أهم القيود التي تحول دون انتشار تلك العملية ومن أكثرها جدية. وأبرز ما تبينه الأمثلة السابقة، هو أن معادلة إمدادات الطاقة في حالة تغير على الدوام، وستستمر كذلك طالما ظلت الحكومات ورواد الأعمال الخصوصيون، يسعون على نحو مطرد للبحث عن بدائل، وتحسين تقنيات الاستخراج الحالية. وفضلاً عن ذلك، ليس هناك دليل واضح على كون إمدادات الطاقة التقليدية، مثل الفحم، والبترول، والغاز، والقوة الهيدرو- كهربائية ستتناقص في القريب العاجل. وعلى رغم رد الفعل المباشر السلبي في أوروبا وشمال أميركا تجاه كارثة "فوكوشيما"، فإننا نجد طلبات جديدة لمنشآت الطاقة النووية تقدم بشكل يكاد يكون يومياً من دول في الشرق الأوسط،، وجنوب آسيا، والصين. وليس هناك شك في أنه من الممكن، على مدى العقد القادم، ظهور تقنيات إنتاج جديدة تماماً، لديها القدرة على إنتاج أنواع من الوقود "فعالة التكلفة" لتقليص استهلاكه، وتقليص المخلفات الناتجة عنه، وذلك كنتيجة حتمية للاستثمارات الهائلة التي يتم ضخها في هذا المجال في الوقت الراهن، سواء من جانب الحكومات، أو من جانب المستثمرين الخصوصيين. وفضلاً عن ذلك، نجد أن حدوث ثورة في الطريقة التي يتم بها توصيل الكهرباء للمنازل والمصانع، يمكنه أيضاً إحداث تقليص جذري في تكلفة استهلاكها. كما أن إحداث تطوير ذا شأن في كفاءة أداء البطاريات يمكنه جعل السيارات الهجينة والسيارات الكهربائية أكثر تنافسية، ما يؤدي إلى زيادة الطلب عليها في نهاية المطاف. وبمعنى آخر، يجب على المرء أن يكون شجاعاً للغاية كي يقرر بأي قدر من اليقين أن الرؤية المتعلقة مستقبل الطاقة ستتحقق عام 2052، أو 2030 أو كي يقرر ما هي الطريقة التي سيتم بها إنتاج معظم احتياجات العالم من الطاقة في المستقبل. أما التقارير التي تتحدث عن "نهاية عصر الفحم" أو "نهاية عصر الوقود الحفري"، فمن المرجح أن تظل مضللة في المستقبل، مثلما هي مضللة اليوم.