من يتابع ما يحدث في الوطن العربي اليوم من أحداث تتمثل في النزاعات السياسية والنزعات الانفصالية والحروب الأهلية والتدخل الخارجي في شؤونه، سوف يشعر بحالة من القلق والخوف والخطر على هذا الوطن، لأن ما يحدث اليوم يشبه ما حدث للأندلس قبل سقوطها وزوال دولتها، ولذلك من الضروري عند متابعة مثل هذه الأحداث العودة بالذاكرة التاريخية إلى ما حدث للمسلمين في الأندلس للتعلم من تلك التجربة، لأن معظم ما أصاب المسلمين في الأندلس يتكرر اليوم في المشهد العربي. وخطورة ذلك هي أن تشابه الأحداث وتكرارها يؤدي إلى نفس النتائج التي وصلت إليها الحالة في الأندلس، وهو الانهيار والتفتت والسقوط والزوال. فالأندلس مثال جيد على العرب أن يجعلوه حاضراً في أجندتهم التاريخية والسياسية، وفي ذاكرتهم، وأن يدرسوا كيف انتهت تلك الحضارة والقوة العظيمة وزالت بعد بلوغها مستوى عالياً من القوة والازدهار، حيث إن خلاصة ما ذكره المؤرخون حول الأسباب التي دفعت الأندلس إلى الانهيار والسقوط والزوال هو نسيان المسلمين بعض فضائلهم وقيمهم التي فتحوا بها تلك البلاد، والتي كانت توحدهم وتميزهم عن غيرهم، وساعد على ذلك ميل البنية الديموغرافية المتنافرة التي يتكون منها أهل الأندلس من عرب وبربر وموالٍ ومسالمة ومولّدين ومستعربين ويهود إلى عمل تكتلات وبؤر عمرانية خاصة بكل طائفة، وهذا ما أثر كثيراً في مطالبة بعض أهل الأندلس بالاستقلال الذاتي. والأهم أن حالة الانحراف عن الطريق الذي كان يميز الفاتحين بكل قيمه وفضائله انعكس على ثقافة الشعب الأندلسي، حيث أصيب هذا الشعب بنوع من التبلد والضمور الروحي، فتراجع الجانب الذي كان هو المحرك الأساسي في صناعة ازدهار وقوة الأندلس، وطالت آثار ذلك حركة الفتوحات الإسلامية التي توقفت تماماً. ولو نظرنا إلى المسألة الأخرى في هذا الانهيار وقلبنا صفحات التاريخ لوجدنا أن للاختلاف والفرقة دوراً رئيسياً في ذلك، خاصة بعد أن تم تسييس الكثير من قضايا المجتمع، حيث انتشرت الفرقة في الأندلس، والقراءة المتأنية لهذه المسألة تشير إلى أن العلاقات بين مملكة غرناطة ودولة بني مرين وبني عبد الواد والدولة الحفصية وصلت إلى حد الاشتباك والقتال، وهذا الاقتتال والنزاع بين الأمراء ولّد في المجتمع الأندلسي كثيراً من الفتن، أبرزها وأخطرها الاستعانة بالخصوم، فقد أخذ كل فريق يستعين، كما يشير المؤرخون على جاره بالخصوم نظير إعطائهم بعض الحصون، وكان كل ذلك على حساب دولة الأندلس. بل إن منهم من ساعد الخصوم على حصار إخوتهم وجيرانهم المسلمين، وهذا في جملته أضعف الأندلس، وتآمرت عناصرها لزرع الفتن، وتشجيع النزاعات السياسية والانفصالية الداخلية عن الكيان الأم، واستغلال التنوع الديني والعرقي لإيقاع الفتنة ين الأعراق والطوائف حتى انقسم المجتمع الأندلسي على نفسه كل دويلة وكل فرد وكل جماعة سياسية كانت تبحث عن مصلحتها الخاصة، حتى لو كان ذلك على حساب استقرار الوطن الواحد وسلامته، إلى درجة أدت معها هذه الفتن إلى خلق نوع من الفوضى والاضطراب المشحون بالنزاع والصراع أدى في النهاية إلى حدوث نزاعات انفصالية وحروب أهلية وزيادة التدخل الخارجي. إن التشابه في الأحداث بين ما يحدث اليوم في الوطن العربي وما حدث في الأندلس واضح على رغم اختلاف المرحلة والزمان، ولكن الأخطر هو أن بعض قوى التقسيم في الخريطة العربية أصبحت اليوم أكثر نفوذاً وقوة مما كانت عليه في الماضي، فهل ننتبه إلى خطورة مثل هذا التشابه؟