علاقة المركز بالأطراف علاقة أبدية عبر التاريخ منذ مصر والصين والهند وفارس وحضارات ما بين النهرين وكنعان عندما كان مركز العالم تحيط به الأطراف. وقد تجلى ذلك في علم رسم الخرائط وكيف وضعت الدولة المركزية نفسها في الوسط يحيط بها العالم كله شرقها وغربها وشمالها وجنوبها. كانت آسيا مركز العالم قبل أوروبا في الخرائط. وبينهما كان العالم الإسلامي الذي جمع بين القارات الثلاث القديمة أفريقيا وآسيا وأوروبا قبل أن تظهر الأميركيتان، الشمالية والجنوبية على الخرائط وتدخلان في مسار التاريخ، ثم يسيطر التاريخ الحديث على التاريخ القديم كله. الصراع بين المركز والأطراف إذن صراع أبدي مثل "الحرافيش" و"التوت والنبوت". وظهر الإسلام منذ أربعة عشر قرناً فاتحاً مركزاً جديداً للعالم من قلب شبه الجزيرة العربية بين آسيا وأفريقيا بعد أن ضعف المركزان الشرقي في آسيا، فارس، والغربي في أوروبا، روما. فقد أنهكتهما الحروب المتبادلة دون أن يكتب النصر نهائياً لا لفارس ولا للروم. قال تعالى "ألم، غلِبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون، في بضع سنين" سورة الروم. وانتشرت القوة الجديدة بفعل قوانين التاريخ، شرقاً في آسيا وغرباً في أفريقيا وأوروبا حتى توحَّد التاريخ القديم في مركز حضاري جديد، أبدع العلوم والفنون والثقافات، وقاد العالم على مدى سبعة قرون سماها الغرب العصر الوسيط بالنسبة له حيث كان متعلماً. وهي بالنسبة لنا عصرنا الذهبي الأول عندما كنا معلمين للغرب.
ثم توالت عليه في لحظة ضعفه وتفككه إلى دويلات وأمصار غزوات من الغرب، حروب الفرنجة والتي سماها الغرب الصليبية وصمد لها صلاح الدين. وغزوات أخرى من الشرق، التتار والمغول وتصدى لهم المماليك في مصر والشام في عين جالوت ومرج دابق. وما خسره العالم الإسلامي في الغرب، الأندلس، كسبه الأتراك في الشرق، القسطنطينية. وما خسره في الشمال حرباً بانحسار الحضارة الإسلامية عن الشاطئ الشمالي للبحر الأبيض المتوسط كسبه المسلمون في أفريقيا سلماً عبر التجارة والتزاوج والطرق الصوفية.
وحافظت دولة الخلافة على مركزية العالم الإسلامي بالرغم من ضعفها وتفككها وعيوبها الداخلية. فقد تباطأت في الإصلاح. واستعاضت عنه بالتسلط والقهر. ولم يكن النظام "المللي" على قدم المساواة بين الأقوام والشعوب نظراً لسيطرة العنصر التركي في حين ساوى "ميثاق المدينة" بينها. ولما تكالبت قوى الإمبراطورية الغربية على "الرجل المريض" أراد محمد علي تقويتها بتحويل المركز إلى مصر. وبدأت قوة جديدة في قلب العالم القديم الجديد تنمو في أفريقيا وآسيا حتى تصدت لها القوى الغربية، فرنسا وإنجلترا خاصة، للقضاء عليها، وتقطيع أوصال الإمبراطورية العثمانية. وقضي على دولة محمد علي. واستعمر العالم الإسلامي كله من القوى الغربية وروسيا القيصرية بل والثورة البلشفية.
وجاءت حركات التحرر من الاستعمار داخل أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية لتكوِّن مركز ثقل جديد في العالم الثالث منذ "باندونج" في 1955. وجسدته الثورة المصرية أولا ثم القومية العربية ثانياً ثم الناصرية ثالثاً. وأصبحت مصر والهند ويوغوسلافيا تمثل حياداً إيجابياً في عصر الاستقطاب والحرب الباردة. وأصبحت أصوات العالم الثالث تمثل ثلاثة أرباع الأصوات في الأمم المتحدة وتمثل شعوبه أربعة أخماس سكان المعمورة.
وبعد نهاية عصر الاستقطاب وتفرد الولايات المتحدة الأميركية بالعالم، اقتصادياً باسم العولمة، وعسكرياً باسم معاداة "الإرهاب" انتقلت المركزية الأوروبية إلى المركزية الأميركية التي تقوم بالدور الاستعماري القديم لأوروبا. تتجاوز القوانين الدولية، وميثاق الأمم المتحدة. وتعتدي على أفغانستان والعراق وتقضي روسيا على استقلال الشيشان. ومازال التهديد ماثلا ضد سوريا والسودان وإيران من أجل تقطيع أوصال مصر في الشمال والجنوب والشرق. وتستفيد الإمبراطورية الجديدة وإسرائيل الكبرى من موجات التاريخ بين الصعود والهبوط. فإذا كانت حركات التحرر من الاستعمار في الخمسينيات والستينيات تمثل الموجة الصاعدة، وفي السبعينيات والثمانينيات تمثل الموجة الساكنة فإنها في التسعينيات وأوائل هذا القرن تمثل الموجة الهابطة. جاءت حركة الاستعمار ثم حركة التحرر من الاستعمار ثم عودة الاستعمار من جديد. وقد تتلو ذلك موجة صاعدة جديدة من الحركات المناهضة للعولمة والعدوان على الشعوب. فالتاريخ مستمر ولا نهاية له، والموجات تحملها مياه البحار.
وتفتت دولة الخلافة. ولم يشعر العرب بخسارتها لأنهم وجدوا بديلا عنها في القومية العربية. ولما تفتت القومية العربية وتحولت إلى قطريات وربما إلى عرقيات وطائفيات تبعثر العرب والمسلمون إلى مراكز جذب خارجهم بعد أن أصبح الداخل طارداً. فأصبحت أواسط آسيا والجمهوريات الإسلامية المستقلة طرفاً لمركز جديد هو موسكو حيث عادت روسيا القيصرية للتوسع في مجالها الحيوي. وأصبحت طشقند وسمرقند وبخاري وباكو وفرغانة أقرب إلى الوسط الآسيوي منه إلى الوسط العربي في دم