أعتقد أن هناك مدخلاً منسياً عند المحللين والباحثين السياسيين المشغولين على مستوى العالم بالتساؤل حول فرصة السلام العربي الإسرائيلي، وإنهاء النزاع الإسرائيلي الفلسطيني مع ولاية أوباما الثانية. وهذا المدخل هو المدخل التاريخي. نحن نعلم أن الملامح الرئيسية لفرصة السلام التي تفتحت على يدي كارتر، وانتهت بعقد معاهدة بين مصر وإسرائيل، جاءت أساساً بسبب تغييرات استراتيجية في السياسة المصرية. لقد استحدث هذه التغييرات السادات، حيث قرر التحول عن استراتيجية سلفه عبدالناصر في معاداة العالم الرأسمالي، بقيادة الولايات المتحدة والتحالف مع المعسكر الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفييتي. لقد مثل تحول السادات إلى الصداقة مع أميركا إنجازاً مهماً للولايات المتحدة ترتب عليه طرد النفوذ السوفييتي من مصر، ودخول النفوذ الأميركي بدلاً منه في ذروة الحرب الباردة. وفي تقديري أن هذا هو الحافز الرئيسي الذي أقنع الولايات المتحدة بمؤسساتها المتعددة بأن مصر السادات تستحق جائزة ترضيها، وتدفعها للاستمرار في استراتيجيتها الجديدة. وإذا لاحظنا الملمح الإسرائيلي في ذلك الوقت، فسنجد أن الحكم هناك كان لحزب ليكود اليميني المتطرف بقيادة بيجين الذي يعد من أشد أنصار التوسع الإسرائيلي في سيناء، وقد أطلق عام 1968 مقولة نصها: "إن سيناء جزء لا يتجزأ من أرض إسرائيل، وإنه سيتخذ فيها مرقده الأبدي ببناء قبره فيها". إذن، سنلاحظ أن وجود حكم متطرف في إسرائيل آنذاك لم يمنع انسحاب إسرائيل من سيناء. وعلينا بالتالي أن نستنتج أن تحقق مصلحة استراتيجية كبرى للولايات المتحدة هو المتغير الأكثر أهمية في تقرير الموقف في الشرق الأوسط وليس طابع الحكم الإسرائيلي. وعلينا هنا أن نستدرك بسرعة لنقول إن معاهدة السلام على رغم إملائها الانسحاب من سيناء على حكومة يمينية متطرفة قد حققت لإسرائيل مصالح كبرى لا يمكن إنكارها، وبالتالي يمكننا القول، إن تحقيق المصلحة الأميركية قد اصطحب معه مصالح كبرى لإسرائيل برضاها أو بغير رضاها. وهذه إذن هي ملامح فرصة كارتر للسلام، فهل نجد من عناصرها شيئاً مشتركاً مع فرصة أوباما اليوم؟ الإجابة بقدر من الحذر: نعم. فلقد حدث تغيير استراتيجي كبير في السياسة المصرية بقدوم حكم "الإخوان" وهو لا شك ينطوي على مصلحة استراتيجية للولايات المتحدة. فلقد ظل الأميركيون يبحثون منذ الهجوم على نيويورك عام 2001 عن طريقة لمحاربة واحتواء العنف والإرهاب الذي ضرب مدنهم الكبرى. وقد يكون هنالك من يرى أن حكم "الإخوان" يقدم للأميركيين فرصة لاحتواء هذا الخطر، وربما يرون في حكم الإسلاميين لمصر إمكانية لتحقيق هذه المهمة. وإذا كان الحكم في إسرائيل اليوم سيكون مشابهاً مع تشكيل حكومة نتنياهو الجديدة لحكم بيجين، فإن من المحتمل أن تملي ضوابط المصلحة الاستراتيجية الأميركية الجديدة موازينها على حكومة إسرائيل، مع تحقيق مصالح لها كما حدث في معاهدة السلام المصرية. هل يقدم هذا المدخل التاريخي لاستقصاء فرصة أوباما لتحقيق السلام تنويراً كافياً ومرشداً للتفكير؟ أترك الحكم للقراء، مع حفظ الفوارق بين الظرفين التاريخيين.