بات من الواضح أن الغرب لا يمانع في وصول الإسلاميين إلى الحكم في دول «الربيع العربي»، ويرى الكاتب مأمون فندي أن الحوار الذي يدور في الغرف المغلقة بالغرب لا يخرج عن ثلاثة اتجاهات بشأن سيناريوهات الشرق الأوسط، تنتهي كلها بقبول الإسلاميين في الحكم. الاتجاه الأول يعتقد أن إسلاميي "الربيع" سيتحركون نحو الاعتدال بعد وصولهم إلى السُلطة، على خطى حزب "العدالة والتنمية" التركي ذي الخلفية الإسلامية. والاتجاه الثاني يرى أن أمن إسرائيل لن يتحقق إلا إذا ختمت معاهدات السلام بين العرب والإسرائيليين بخاتم الإسلاميين، أي "كامب ديفيد إسلامي" كما وصفه الكاتب. أما الاتجاه الثالث فيعتقد أنه لا بد من إعطاء الإسلاميين الفرصة ليحكموا، وحال فشلهم فإن أسطورتهم ستنتهي إلى الأبد. وكان الله في عوننا إن كان هذا ما انتهت إليه تحليلات خبراء السياسة الغربيين، خصوصاً أن خلاصة مناقشاتهم لا تذهب إلى سلة المهملات، وإنما توضع على طاولة صانعي القرار هناك، وعلى ضوئها تُبنى السياسات وتُتخذ المواقف. فالزعم بأن النموذج التركي هو الملهم للإسلاميين يتجاهل فارقاً جوهرياً بين إسلاميي تركيا وإسلاميي "الربيع"، هو أن الإسلام التركي مميز بغلبة الطابع الصوفي عليه، ويعتبر الأتراك جلال الدين الرومي، أيقونة التسامح، رمزاً من رموز حياتهم، بينما في الدول العربية تهدم أضرحة شيوخ الصوفية كلما سنحت الفرصة. كما أن المذهب الحنفي هو السائد بين الأتراك، ولا أثر للجماعات السلفية هناك، ولا لـ"القاعدة"، ولا لسيد قطب وأفكاره عن حاكمية الشريعة، وجاهلية المجتمع، وأممية الدعوة. أما فيما يتعلق بالـ"كامب ديفيد" الإسلامي، فإنه حتى لو بصم رموز الإسلاميين بالعشرة على أي معاهدة مع الإسرائيليين، ولم يتوقف على إثرها الظلم الذي يتعرض له الفلسطينيون، فإن السلام سيبقى بعيد المنال، إذ المسألة ليست فيمن يوقّع المعاهدة، وإنما فيما تقدمه المعاهدة. وهل سنشعر بالراحة حين سنرى الفلسطيني يهان ويعتقل ويهدم بيته وتصادر أرضه لمجرد أن هناك معاهدة سلام مع المعتدين وقعها ثلة من الإسلاميين؟! وحتى لو تخلت "حماس" نهائياً عن مشروع المقاومة بموجب تلك المعاهدة "الإخوانية" المنتظرة، فهل ستحترم بقية فصائل المقاومة الفلسطينية، العلمانية تحديداً، مثل تلك المعاهدة ما لم تحل المشكلة من جذورها؟! وغريب ذلك الرأي الذي يقول إن فشل الإسلاميين في الحكم سينهي أسطورتهم للأبد، كأن هؤلاء الإسلاميين كتلة واحدة، بينما هم في الحقيقة جماعات مختلفة ترفع جميعها شعارات الإصلاح، وفشل إحداها سيكون حجة بيد أخواتها بأن تلك الجماعة لم تفشل إلا لأنها لم تحكم بما أنزل الله كما يجب، وتراخت في تطبيق الشريعة، ولم يكن منهجها سليماً وخالصاً لوجه الله، خصوصاً أن الأدلة الشرعية لن تعوز أي جماعة جديدة لاستخدامها كالمعتاد. ودائماً يمكن تبرير فشل أي تجربة إسلامية والنأي عنها وتسويق تجربة أخرى. ولنفترض أن جيلاً ما دغدغ الإسلاميون عواطفه وأوصلوهم للحكم ثم عضّ أصابع الندم بعد ذلك، فهل الأجيال اللاحقة ستظل تشعر بالآلام في أطراف أصابعها، أم ستشعر بالخدر لمجرد بعض الشعارات الدينية البراقة، فتغير الأشخاص لا يعني بالضرورة تغير الأفكار، خصوصاً أن التيارات الدينية ستبقى فوق المنابر، حتى لو أزيحت من كراسي الحكم. وإذا سلمنا جدلاً بأن الإسلاميين سيفشلون وستنتهي أسطورتهم، فهل ستخرج الشعوب من المقبرة بعد دفن تجربة الإسلاميين وسيهبط عليهم من السماء عمود التنوير والتفكير العقلاني والمنفتح؟ قد تكون هناك رؤى أخرى لدى الغربيين للقبول بالإسلاميين، أما إن كانت هذه هي فعلاً رؤاهم، فليكن الله في عون الشعوب العربية.