بات واضحاً الآن بعد سنوات أربع أمضاها أوباما في الرئاسة، أن أولوياته السياسية تكمن في الداخل وليس في الخارج. صحيح أنه قد حقق قدراً من الشهرة بمعارضته- عندما كان عضواً بمجلس الشيوخ الأميركي- للحرب التي شنها بوش عام 2003 على العراق؛ وصحيح أيضاً أن قيامه بسحب القوات الأميركية من ذلك البلد قد مثل علامة مهمة من علامات فترة رئاسته الأولى؛ إلا أنه فيما يتعلق بالقرارات السياسية الأخرى، فاق تركيزه على الشؤون الداخلية- كما يذهب لذلك البعض- تركيزه على الشؤون الخارجية. والخبراء الباحثون عن "عقيدة أوباما" المتعلقة بمبادئ السياسة الخارجية، وصفوه بوضوح بالرئيس"البراجماتي" الذي يفضل الدبلوماسية على القوة، والتعاون على النزعة الانفرادية. وهذه الألقاب وإنْ كانت تميزه عن سلفه في الحكم، إلا أنها لا تنبئ بالضرورة بما سيفعله في المستقبل. عادة ما يكون للظروف والتطورات الخارجية غير المتوقعة طريقتها الخاصة في إقناع الرؤساء باتخاذ قرارات سياسية خارجية معينة. فهجمات الحادي عشر من سبتمبر على الولايات المتحدة على سبيل المثال دفعت بوش لشن حربه العالمية على الإرهاب التي سيطرت على الجزء الأكبر من ولايتيه اللتين استمرتا 8 سنوات في المنصب، وجعلته يرى العالم من منظور الحادي عشر من سبتمبر، ويقرر أن الحرب العالمية على الإرهاب هي حرب يجب عليه أن يقودها. بعد توليه الحكم توقف أوباما- متعمداً- عن استخدام عبارة "الحرب على الإرهاب". فعلى الرغم من إدراكه أن الإرهاب ما زال يمثل مشكلة للولايات المتحدة، فإنه لا يتعامل مع هذه المشكلة من خلال حرب تقليدية. على النقيض من بوش لم يواجه أوباما عندما تولى منصبه حدثاً كبيراً له أصداء دولية مثل حادث الحادي عشر من سبتمبر، وإنما واجه أزمة اقتصادية داخلية كان عليه أن يتعامل معها خلال فترة ولايته الأولى وسيجد نفسه- على الأرجح- مضطراً للتعامل معها خلال فترة ولايته الثانية. وعلى ما يبدو أن حقائق المشكلات الداخلية التي تواجهها الولايات المتحدة قد شغلت باله أكثر بكثير من مشكلات السياسة الخارجية للولايات المتحدة. يمكن تبين ذلك من خلال الخطاب الذي ألقاه الرئيس عن حالة "الاتحاد" أمام جلسة مشتركة لمجلس الشيوخ والنواب في الثاني عشر من شهر فبراير الحالي. في هذا الخطاب الذي استغرق ما يزيد عن ساعة، وتناول فيه أوباما أكثر من عشرة موضوعات داخلية مختلفة لم يخصص سوى أقل من عشر دقائق عن القضايا ذات العلاقة بباقي العالم. وفي هذا الجزء المختصر الذي جاء قرب نهاية خطابه، بدأ الرئيس بـ"القاعدة"، ثم خصص عدة جمل للحديث عن كوريا الشمالية وإيران والأسلحة النووية والأمن الإلكتروني والتجارة الدولية. ونصح أوباما الكوريين الشماليين بـ"تجنب الاستفزازات، التي ستؤدي لمفاقمة عزلتهم" في حين لم يخصص سوى جملة واحدة لإيران قال فيها:"إن قادتها يجب أن يتعرفوا أن الوقت الحالي هو الوقت المناسب لتوصل لتسوية دبلوماسية". أما تعليقه على الأمن الإلكتروني، فقد ركز على السرقة المحتملة لـ"أسرار الشركات"، وتخريب المرافق الأميركية والمؤسسات المالية وغير ذلك. أما الجزء الأعظم من الخطاب، فقد ركز على خلق الوظائف، والميزانية والتعليم والتغير المناخي وإصلاح منظومة الهجرة، وعنف الأسلحة الشخصية. وأعطى الرئيس أهمية خاصة لإصلاح موضوع الهجرة بعد أن كشف إعادة انتخابه لولاية ثانية عن قاعدة التأييد الكبرى، الذي يحظى بها لدى الأميركيين من أصول لاتينية، كذلك للعنف الناشيء عن استخدام الأسلحة الشخصية بسبب المذبحة الأخيرة في إحدى المدارس الابتدائية. وإذا ألقينا نظرة على فترة ولايته الأولى فسندرك أن قراراته الخاصة بالسياسة الخارجية قد تأثرت لحد كبير بهموم داخلية. فعندما تولى الحكم في يناير عام 2009، كانت الولايات المتحدة عالقة في حرب برية طاحنة في أفغانستان، وكان أمام أوباما مقترحان: مقترح مقدم من خبرائه العسكريين بإجراء زيادة كبيرة في القوات "لإنهاء المهمة هناك"، واقتراح من مستشاريه المدنيين وعلى رأسهم "جو بايدن" نائب الرئيس الذي حذر من ذلك. وفي النهاية، اختار أوباما أن يستجيب لنصيحه خبرائه العسكريين. كانت غرائزه كرئيس عارض غزو بوش للعراق تدفعه للقبول بنصيحة مستشاريه المدنيين ولكنه كان يخشى أن يتهمه نقاده السياسيون وبخاصة المتطرفون من الحزب "الجمهوري" بالضعف إذا لم يظهر صلابة في التعامل مع "القاعدة" و"طالبان" في أفغانستان، ولذلك فضل القبول بنصيحة قادته العسكريين من أجل حسم الأمور على الأرض وضبط الأحوال بقدر المستطاع في ذلك البلد المضطرب. ولم يكن بمقدوره تجاهل معارضة "الجمهوريين" لأنه كان بحاجة لتمرير تشريع عن العناية الصحية وغيرها من المسائل، التي كانت تحتاج إلى دعم خصومه السياسيين. تلك الأولويات الداخلية، هي التي ساعدته أيضاً على تحديد شكل مقاربته للصراع العربي- الإسرائيلي. فعندما أعاق رئيس الوزراء الإسرائيلي محاولات أوباما لتحقيق تقدم في هذا الملف، لم يصر أوباما على مواصلة الضغط، وقام بعد ذلك بدعم إسرائيل بطرق مختلفة بما في ذلك معارضة عضوية فلسطين في الأمم المتحدة. وعلى الرغم من أن أوباما كما يقال كان محبطاً للغاية من نتنياهو، فإنه فضل عدم الصدام معه لأسباب داخلية من أبرزها المشاعر القوية المؤيدة لإسرائيل في الكونجرس الذي كان أوباما يحتاج إلى أصواته في قضايا أخرى. وفي خطابه عن حالة "الاتحاد" ذكر أوباما اسم إسرائيل وتجاهل فلسطين، ولكن البعض يأمل مع ذلك أن تؤدي رحلته المقررة للشرق الأوسط في مارس المقبل إلى بعض الحراك بشأن ملف الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. من المبكر التنبؤ بما ستكون عليه تركة أوباما، ولكنه يبدو رئيساً سيتم تذكره أكثر لإنجازاته وسياساته الداخلية وليس بسبب سياساته وإنجازاته الخارجية. مع ذلك فإن العالم الذي نعيش فيه يصعب التنبؤ به، وقد تجبره أزمات وكوارث خارجية غير متوقعة حالياً على التصرف بطرق لا نستطيع نحن التنبؤ بها في الوقت الراهن.