لو استخدم الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني، رئيس مجلس الوزراء وزير خارجية قطر في كلمته التي ألقاها خلال فعاليات المؤتمر الدولي الأول لمجلس العلاقات العربية الدولية في الكويت، الأسبوع الماضي، والذي طالب فيها بإطلاق (إعلام عربي بلا حسيب ولا رقيب باعتباره أفضل طريقة لأن يفهمنا الآخر ويحترمنا، صحيفة الحياة 12 فبراير). لو استخدم معيار "الإعلام الوطني المسؤول"، الذي يبتعد عن إثارة القضايا التي تمزق المجتمعات والإعلام الذي يقدم مصالحه التجارية على الوطن لما كان لأحد أن يفكر في توجيه تساؤلات عليه خاصة من يعملون في المجال الإعلامي، لأننا نبحث اليوم عن مساحة حرية فيه. لأننا لو افترضنا أنه تم الأخذ بتلك المطالبة، ولم يصبح هناك رقيب أو حسيب واعتبرنا أن ذلك صحيحاً ولا ينبغي لأحد أن يقف أمامه - مع أنه حتى في الغرب هناك رقيب على ما تتناوله وسائل الإعلام، والدليل ما حدث لصحيفة "صن" قبل فترة - أعتقد سيكون الأمر بمثابة دعوة إلى تفجير المجتمعات العربية وربما تفتيها كلها بطريقة لا يمكن لأحد أن يصفها، فقد رأينا كيف تم استخدام الحرية الإعلامية خاصة في القنوات الطائفية والقنوات ذات التوجهات الدينية، وكذلك القنوات الخاصة، وبما أن الأمر سيشمل مواقع التواصل الاجتماعي، فإن المسألة ستفلت كاملة، وربما تعرضنا إلى المسائل الشخصية والوطنية. اليوم نرى الكل يحتشد ضد الآخر، ويتبنى خطاباً معادياً لمن لا يرتاح له فقط وليس مختلفاً معه في قضايا وطنية وتركيزه في الرد عليه لا يضع تبعاتها ما ستحدثه على المجتمع أو الدولة، وجدنا أكثر من مسؤول أو رجل دين يتراجع عن مواقفه أكثر من مرة، لأنه يدرك خطأ ما قاله، وهذا دليل على أنه لو تركت الأمور من دون رقابة ستكون عبارة عن "ألغام مفخخة". كلامي ينبغي أن لا يؤخذ على أنه دعوة ضد الحرية الإعلامية بل العكس إنما أنا مع تلك الحرية من منطلق الاعتراف بالدور الذي يقوم به الإعلام الحر في تطوير المجتمعات، أقصد الدور الرقابي له "هي سلطة رابعة" لو وظفت بالشكل الصحيح. ولا يمكن لأحد أن ينكر ذلك وتزداد أهمية الإعلام ودوره المجتمعي والوطني، كلما وجدت مساحة الحرية له وعدم تهديد حياة الصحفيين وقتلهم باعتبارها الطريق الأسهل لإسكاتهم، ولكن في المقابل، لا يمكن التهوين بما يفعله الإعلام العربي حالياً في المجتمعات العربية، رغم عدم وجود مساحة الحرية التي يعتقدها البعض. لم يحن الوقت بعد، والإعلاميون العرب لم يستعدوا لممارسة حرية الإعلام بالشكل الصحيح، والدليل أننا نعاني من انشقاقات مجتمعية كبيرة على المستوى الفكري والمستوى الديني وعلى المستوى الرياضي، وربما الجغرافي أيضاً ونعاني من قاموس جديد مليء بمفردات جديدة في السب والشتم ربما لم نسمعها من قبل في أي إعلام، بل الخيال يزداد توسعاً في مواقع التواصل الاجتماعي. أبرزت مرحلة ما بعد "الربيع العربي"، أننا نفتقد إلى أبسط قواعد الحوار والاختلاف في الرأي، وأننا لا نجيد فن الاستماع للآخر، وأن الحرية بشكل كامل وحرية التعبير خاصة، تحتاج إلى أرضية قانونية وإلى إعداد البيئة التي تسبق الإعلام أقصد المنزل والمجتمع لتصل إلى المستوى الأكبر، ولكن اللغة المستخدمة في التخاطب اليومي لا تعطي مؤشراً على أننا مستعدون لممارسة حرية التعبير في الإعلام اليوم هذا ليس انتقاصاً، وإنما هو رصد لما يتم في القنوات ووسائل التواصل. ليس لدي شك في أن تلك المحاذير هي نقطة التساؤل عند الكثيرين ممن وقفوا على طرحه. الجميع يدرك الواقع الإعلامي العربي، وماذا فعلت تلك الحرية، والمشكلة ليست في الإعلام "البالي" والإعلاميين، وإنما الكل أصبح يمارس العمل الإعلامي ولم تعد مهنة خاصة للإعلاميين. وبالتالي افتقدنا المعايير الإعلامية، وبتنا نرى كيف توجه تلك الحرية لخدمة ملفات معينة تنفجر في المجتمع، في حين تسكت عن قضايا أخرى، ما يعني أن عامل الموضوعية والمهنية مفقودة فيها. ما أقصده أنه لو قارنا بين الأضرار الحاصلة اليوم نتيجة للفهم الخاطئ لمفهوم الحرية الإعلامية، التي سمحت للكثيرين ممن أتقنوا فن الفتوى الفضائية أو ممن باتوا مرجعية في تركيب مفردات الشتم والسب أو كذلك متقنين لعمل تحريض أفراد المجتمع على الوطن وبين المطالبة برفع القيود عن الإعلام العربي، وما يمكن أن يترتب على ذلك، لأدركنا أننا سنكون أمام موقف غير مخيرين فيه، وهو الذهاب بالمجتمعات إلى حد الانفلات الأخلاقي والأمني، لأنه صار باستطاعة الكل امتلاك قناة أو موقع تواصلي في المجتمع. علينا تقديم الضرر الأقل، وهي الرقابة الإعلامية، والتي لا تعني الكبت الكامل لهذه الوسيلة، ولكن الرقابة المسؤولة بحيث لا تجعلها عاجزة عن تأدية واجبها ودورها المجتمعي، ولكن علينا أيضاً أن لا نشجع على تجاوز قواعد حرية الاختلاف والتعبير في الآراء وعدم السماح بأن تتدهور الأمور في هذه الوسيلة الخطرة، التي قربت العالم، وأن نوازن بين حاجتنا للإعلام المسؤول والمحافظة على الانتقال التدريجي للحرية الكاملة لها. لا يمكن لأي عاقل أن يعارض أو يختلف مع المطالبة بالحرية الإعلامية في الدول العربية، بل الكل يتفق مع من يطرح ذلك مباشرة لمن يفهم الدور الذي يقوم به الإعلام الحر في تطوير المجتمعات، ولكن أتحدث هنا عن الزمن الذي نطالب فيه والمرحلة التي نعيشها من فوضى على الأرض العربية، نتيجة للفهم الخاطئ لمعنى الحرية الإعلامية، فهو لا يخدم الوضع العربي حالياً لا على مستوى الدولة الواحدة، ولا على مستوى العمل العربي، ولا على مستوى المجتمعات، ولا حتى على مستوى الأندية الرياضية، والعيب ليس في الحرية ولا الإعلاميين أصحاب المهنة ولكن في "الداخلين الجدد في الإعلام"!