يخيّل للمرء الذي يزور الولايات المتحدة هذه الأيام أن كل حدث سياسي فيها يدور حول الانتخابات الرئاسية. فبعد خمسة أسابيع من الآن سيتوجه الناخبون ليختاروا الرئيس الحالي بوش، لفترة رئاسية ثانية، أو لينتخبوا منافسه الديمقراطي "جون كيري". وتدور هذه الحملة الانتخابية الضارية بين المرشحين اللذين يجوبان البلاد كلها بحثاً عن أصوات الناخبين. وبينما كان المرشح الديمقراطي متقدماً في استطلاعات الرأي قبل شهر ونصف، عاد المرشح الجمهوري، بعد انتهاء اجتماع الحزب الجمهوري ليعزز موقفه الانتخابي ويتجاوز حاجز العشر نقاط، كفارق بين الاثنين في توجهات الرأي العام. وحتى في تلك الولايات التي كانت تصوّت عادة للمرشحين الديمقراطيين، والتي تعاني اليوم من تراجع اقتصادي ونسب بطالة عالية مثل ولاية أوهايو وميتشيجان، بدأت وكأنما ترجح كفة "بوش". وبينما كان المرء يتوقع أن تؤثر الحرب في العراق على مسيرة الانتخابات وآراء الناخبين، إلا أن اهتمامات هؤلاء الناخبين ظلت محصورة في المعطيات الأمنية والخوف من وقوع عمليات "إرهابية" على الأراضي الأميركية. ونجح ناقوس الخوف الذي تطرقه الآلة الانتخابية الجمهورية في حشد دعم رأي عام مساند للإدارة الحالية. وهناك حقيقة تاريخية تقول إن الناخب الأميركي يصوّت في العادة لصالح الرئيس الحالي، خاصة إذا كان هذا الرئيس قد دخل في حرب متواصلة. وهو بالطبع ما يفيد المرشح الجمهوري.
وتبدو الساحة السياسية في الولايات المتحدة وكأنما هي مسرح لوطنية جديدة لم تعهدها من قبل. ويضع المرشحان الرئيسيان هذه الأيام اهتماماً وثقلاً كبيرين للمناظرة الأولى التي ستجمعهما في جامعة "ميامي" في الثلاثين من سبتمبر الحالي. وقد أوكلا لممثليهما في المفاوضات، "جيمس بيكر" و"فرنون جوردان" الاتفاق على التفاصيل النهائية للمناظرات المرتقبة. حيث تقرر أن يجتمعا في ثلاث مناظرات، في "ميامي" و"سانت لويس" و"أريزونا"، خلال أسبوعين كاملين بدءاً من أواخر سبتمبر وحتى منتصف أكتوبر القادم.
وحيث إن معظم الصحف الأميركية الرئيسية ووسائل الإعلام تنحو نحواً ديمقراطياً، فإن هناك دعماً مبطناً للمرشح الديمقراطي. وقد كتب "وليام سافاير" وهو أحد الصحافيين الرئيسيين قبل يومين، أن على "جون كيري" أن يكسب دعم الأصوات النسائية في البلاد، وأن يركز على الحرب في العراق، وأن يحدد موعداً لسحب تلك القوات، بعد تحقيق انتصار عسكري كامل، كما يزعم. كما أن "كيري" نفسه يدعو إلى مشاركة الدول الأخرى لتحمل أعباء الحرب في العراق. ولم ينجح المسعى الأميركي حتى اليوم في تحقيق ذلك، حتى مع أقرب حلفاء الولايات المتحدة في حلف "الناتو".
أما في العالم العربي، فهناك العديد من المحللين السياسيين الذين لا يزالون يعتقدون أن بوش سيخسر معركة الانتخابات، وأن "كيري" سيكون المنقذ للعالم العربي، مما هو فيه من حروب. ومثل هذا التصور لا يحمل الكثير من علامات الصدق، فأي منهما كسب المعركة الرئاسية، فإنه على الأغلب سيستمر في السياسة الحالية. وبدلاً من الانتظار حتى انتهاء هذه الانتخابات، فإن على الدول العربية أن تتحرك بسرعة للتأثير على هذه الانتخابات، وأن تضع استراتيجية كاملة للتحرك بطريقة فاعلة.
ولعل أول معطيات هذه الاستراتيجية هو بقاء الإدارة الحالية في واشنطن لأربعة أعوام قادمة. وعلينا أن نبحث عن نقاط التأثير على مثل هذه السياسة، خاصة في الفسحة الزمانية الضيقة التي تفصل بين اليوم وموعد الانتخابات. فالسياسة الخارجية الأميركية بحاجة شديدة إلى حلفاء بعد فشلها الذريع في حربها الحالية في العراق.
ولا شك أن بوش يبحث عن مخرج من الأزمة التي دخل فيها، ويعتقد بعض المحللين هنا، أن المخرج يكمن في مزيد من العنف ضد العراقيين، وضرب المدن من الجو، وتدميرها من الأرض. ويقال إن جورج بوش سيتبنى سياسة حرق أرض جديدة حالما ينتهي من الانتخابات الحالية.
ويعتقد بعض المحللين العسكريين في واشنطن أن مثل هذه السياسة ستقود إلى القضاء على "المقاومة" العراقية. وستنجح في النهاية في إعطاء حكومة الرئيس علاوي وجهاً شرعياً عبر الانتخابات المزمع إقامتها في شهر يناير القادم.
وربما كان هذا الخيار هو خيار المشترك بين كلا المرشحين الرئاسيين. وبغض النظر عن أي منهما سيصل إلى البيت الأبيض أو سيبقى فيه، فإن العراق مقبل على فترة عصيبة من العمليات العسكرية. وقد بدأت بعض الأيدي الأجنبية في الضغط على "المقاومة" عن طريق زرع بذور الفتنة بين أبناء الشعب العراقي الواحد، عبر عمليات اغتيالات منظمة بحق علماء المسلمين السُّنة والزعماء الروحيين. لذا فإن هناك حاجة ماسة لأبناء الشعب العراقي أن يلتفوا حول بعضهم بعضاً، لأن جزءاً من منطق بقاء القوات الأميركية في العراق هو الحيلولة دون تحوّل البلاد إلى حرب أهلية كاملة بين الطوائف الدينية المختلفة في البلاد.
وربما سأل سائل عن البدائل المتاحة للدول العربية للتفاوض مع واشنطن بشأن السياسة الأميركية في المنطقة. وأول هذه البدائل هو مسا