بعد يومين، أي يوم الجمعة 22 فبراير، تأتي الذكرى الخامسة والخمسين لحدث مهم، بل حتى فريد، في التاريخ العربي المعاصر، وأقصد به إعلان الوحدة بين مصر وسوريا في 22 فبراير 1958. كما نعرف كان أمل الوحدة يداعب مشاعر الشعوب العربية حتى قبل انهيار الامبراطورية العثمانية عقب الحرب العالمية الأولى في سنة 1919. في الحقيقة فإن شعور الوحدة الوطنية يتجذر في السيكولوجية العربية الجماعية، ويقوم على تقارب الجغرافيا، ووحدة التاريخ، ومنطق اللغة الذي يؤكد للعرب أنهم فعلاً أمة واحدة. كان هذا الشعور هو أساس الثورة العربية ضد الامبراطورية العثمانية، كما كان أساساً لتكوين الجامعة العربية في سنة 1945، حتى قبل إنشاء الأمم المتحدة. بمعنى آخر، أن مثقفي الشام والمشرق العربي -من ساطع الحصري إلى ميشيل عفلق رئيس حزب البعث- لم يختلقوا شيئاً غير موجود عندما حاولوا التنظير لمفهوم القومية العربية. لقد أعطوا لظاهرة موجودة بالفعل، غطاء علمياً وفكرياً، وبالمثل لم تختلق الجامعة العربية شيئاً خيالياً عن تواجد أمة عربية، ولكن زعماءها السياسيين -كما هو الحال في معظم المماحكات السياسية- استغلوا هذا الشعور بوحدة الأمة، ولكن دون نية حقيقية في تجسيد هذا الشعور في كيان سياسي وحدوي يتخطى الجهاز المؤسسي والشكلي في الجامعة العربية، وليس إنشاء هذه المؤسسة خطأ في حد ذاته، ولكن الخطأ هو استغلال مشاعر معظم الجماهير وتخديرها. ثم جاء عبدالناصر. بالرغم من أنه واجه "وجود أمة عربية" في الحرب العربية - الإسرائيلية الأولى وحصاره في الفالوجة في فلسطين في أوائل سنة 1949، إلا أن شعوره الوحدوي جاء بعد وصوله إلى الحكم عقب انقلاب سنة 1952، وكانت اللبنة الأساسية في هذا الشعور هي مقاومته لمشروع حلف بغداد في سنة 1950 بين تركيا -عضو حلف الناتو- وباكستان -عضو حلف شرق آسيا- وإيران المرتبطة بالاثنين، ثم التوغل نحو المنطقة العربية وإقناع أحد معاقل الهاشميين، العراق الملكية ورئيس وزرائها نوري السعيد-المتحالف دائماً مع بريطانيا- بالانضمام لهذا الحلف. مع ثورة عبدالناصر ضد ما أسماه التحالف الغربي الاستعماري الموالي أيضاً لإسرائيل، أصبح عبدالناصر الرمز الأقوى لتجسيد الثورة العربية وخاصة في ارتكازه على دولة إقليمية كبرى مثل مصر بوزنها الثقافي والديموغرافي، وكذلك موقعها الجغرافي، وفي إصراره على مواجهة نظرية الأحلاف الغربية بنظرة أخرى مقابلة على عدم الانحياز واستقلال القرار. أصبح عبدالناصر يتكلم عن شعور الغالبية الكبرى من الجماهير التي تتوق لتحقيق هذه الرغبات بعد طول استعمار، وتوحد عبد الناصر أيضاً مع قوى الثورة العربية التي تكافح من أجل الاستقلال، سواء في الجزائر والشمال الأفريقي أو اليمن، أو مع قوى المعارضة في الشام مثل حزب "البعث" العربي الاشتراكي. أصبح هذا التقارب الناصري- البعثي هو الأساس في تدشين مفهوم الوحدة العربية، ثم تنفيذها في الوحدة المصرية- السورية في فبراير سنة 1958. بالرغم من أن موضوع الوحدة العربية بين مصر وسوريا لم يحظ بعد بالبحث والتحليل الذي يستحقه، فإن بعض مذكرات الفاعلين الرئيسيين -بمن فيهم مثلاً محمود رياض- أمين عام الجامعة العربية السابق ووزير خارجية مصر، والذي كان سفير مصر في سوريا في سنة 1958، تبين أن حزب "البعث" أصر على قيام وحدة اندماجية وفورية مع مصر، بل إن بعض قيادات الجيش السوري من "البعثيين" أخذوا الطائرة دون إذن الحكومة السورية ليصلوا ليلاً إلى القاهرة ويجبروا عبدالناصر على إعلان الوحدة، وبالرغم من أن عبدالناصر تردد وطلب الانتظار، إلا أن إصرار الضباط "البعثيين" كان أقوى منه، وولدت الجمهورية العربية المتحدة بين البلدين. أعلنت الوحدة إذن يوم 22 فبراير، وتجاوبت معها معظم الشعوب العربية، وكان يوماً مهيباً، بل عندما وصل عبدالناصر إلى دمشق قامت الجماهير السورية بحمل سيارته -حرفياً وفعلاً- من على الأرض. كان الحماس في أشده، ولكن لماذا لم تنجح التجربة؟ لأن الجمهورية العربية المتحدة لم تعش إلا ثلاثة أعوام ونصف العام، فقد حدث الانفصال عن طريق انقلاب في الجيش السوري في 28 سبتمبر 1961. كانت فكرة الوحدة جميلة بل في وقت تتقارب فيه الأمم وتتوحد، كما حدث في أوروبا منذ الخمسينات أيضاً، وكما قد يحدث في مجلس التعاون الخليجي. ولكن تنفيذ أمل الوحدة بين سوريا ومصر كان ارتجالياً وساد حياة الجمهورية الوليدة الكثير من الشوائب، بل أضر بحلم الوحدة نفسه، وهكذا توفي عبدالناصر حزيناً في نفس تاريخ الانفصال، ولكن بعده بتسع سنوات: أي في 28 سبتمبر عام 1970.