لماذا حدثت التغيرات في العالم؟ هناك إجماع على الأسباب، فكلما كان هناك طغيان واستبداد وظلم وفساد، كلما كانت الأسباب متوافرة، لقيام اضطرابات اجتماعية تنتهي بقلب الموازين من أجل تحقيق العدالة الاجتماعية. الثورة الفرنسية هي أهم ثورات العالم التي غيرت معالمه. فالثورة التي اندلعت عام 1789 وامتدت إلى عام 1799، أطاحت بنظم إقطاعية، اتسمت بالاستبداد وأثرت في أوروبا، وقلبت موازين العالم، وجاءت بما يعرف بمواثيق حقوق الإنسان التي نعرفها في يومنا هذا. ودون منازع الإسلام شكل تحول كبير في معالم عالمنا، فالإسلام جاء بمفاهيم إنسانية جديدة على البيئة التي نزل بها وغلب موازين حكمت مجتمعاتنا لتحقق العدالة الاجتماعية. الثورة الفرنسية جاءت بفلسفة التنوير التي كانت ركيزتها الإنسان في إعلاء قيمه وقيم المساواة والحقوق والمواطنة. فقامت الجمهورية الفرنسية الأولى وانحرفت الثورة وقضى ما بين 16 و 40 ألف مواطن فرنسي في الفترة الممتدة مابين عامي 1793 و1794 ووصل نابليون وأعاد الملكية، ثم خلع نابليون وقامت الجمهورية الثانية في عام 1848، فلم تكن الثورة في بدايتها قادرة على إزاحة التراكم التاريخي للاستبداد الذي عرفته أوروبا، فهي مرت بعقود من التحولات إلى أن استقرت وتغيرت معالم المجتمع، ودخلت مرحلة الاستقرار. فالثورات كانت دائماً تمر بمراحل إلى أن تصل إلى مرحلة تتغير فيها طبيعة العلاقات الاجتماعية وتتعزز قيم إنسانية تقضي على الاستفراد والاستبداد. اليوم هناك مراهنة على فشل التحولات العربية وخصوصاً بعد تمسك النظام السوري بالسلطة ومقاومته للتغير، مما أنعش البعض وجعلهم يعتقدون أن ما يسمى بـ"الربيع العربي" بمثابة قفزات لا معنى لها، وتنتهي باستبدال مستبد بآخر، وهذا ما نعتقد من الظواهر الطبيعية في تاريخ فهمنا للثورات التي مرت بها البشرية. ورغم بعض المؤشرات السلبية التي نشهدها في ليبيا وتونس ومصر والعراق، فإن حقيقة التاريخ هي القاعدة العامة التي تحكم تطور المجتمع البشري، وهو ما يدعونا إلى فهم طبيعة المجتمعات البشرية التي تحكم بقواعد ومعادلات رياضية. الإشكالية الكبيرة التي نواجهها تتجسد في السلطة وما بها من مغريات تغيب العقل وتجعل من في السلطة غير قادر أحياناً على فهم معادلات التاريخ الإنساني، مما يؤدي إلى دخول المجتمعات في بحر من الاضطرابات التي قد تدوم لعقود، إلا أن الحقيقة التاريخية تفرض وجودها. بعض المجتمعات الغربية استطاعت أن تنأى بنفسها عن المواجهات الدموية، وقبلت الواقع وأخذت من المبادرة الطريق في إعادة التوازن المفقود في العلاقات الاجتماعية، واستطاعت أن تحافظ على بعض من مكتسباتها. فالمبادرة كثيراً ما تجنب المجتمع ويلات المواجهات الدموية، وتخفف من حدة الاحتقان، وتحدث التغير الهادف لبناء مجتمع تقوم ركائزه على مبادئ حقوق المواطنة. فماهي المشكلة في أن نبحث عن مخارج للاحتقان في بعض الدول، ونحاول أن نتجاوز المصادمات، كما يحدث في البحرين، وإلى درجة أقل في الكويت على سبيل المثال، خصوصاً أن هذه المجتمعات تمثل نموذجاً من التراضي الاجتماعي؟ ولعلنا ننبه بأن هناك هفوات، إلا أننا نملك المقدرة على تجاوزها إذا توصلنا إلى حوار نصف الطريق لنلتقي على محور الحفاظ على طبيعة الخصوصية لمجتمعاتنا الخليجية. فالإصلاح الذي ننشده، يجب أن يعضد مؤسسة الحكم، خصوصاً أن الحلفاء التقليديين يدفعون بالتغير المتوازن لمنطقة تشكل عصب الاقتصاد العالمي.