يأتي الحديث على ظاهرة التعددية من أنها تجسد حالة تتماهى مع الوجود البشري ذاته، وليست حالة تضاف إليه، ناهيك عن أن الوجود الطبيعي يخضع هو كذلك إلى هذه القاعدة، ولا استثناء لذلك، أو كي نكون متواضعين، على الأقل في عالم الإرادات والمصالح والرؤى المتصارعة. ومن ثم، فإن من يتنكر لذلك -وهو يُفصح عن نفسه بمثابته قانوناً- يكون كمن فتح عيناً وأغمض أخرى. هذا من حيث التأسيس المنهجي. أما الموضوع الذي نطرحه الآن فلعلنا نرى أنه يمثل جوهر الصراع في بلدان "الربيع العربي" وفي بلدان عربية أخرى محتملة. إذ هل يبحث الإنسان في حياته عن أقل ما يمنح هذه الحياة إقراراً أولياً وغير مشروط: إنها حياة حرة تُفصح عن نفسها بكرامتها وإرادتها، اللتين ترتبطان بها من حيث المبدأ. أمَّا أن يأتي أحدهم، أو أن تأتي مجموعة وتُعْلمك: إنه من طبائع الأمور أن تكون تابعاً لنا، وإنك بالطبيعة مترهن بنا! ها هنا يجد الأمر بدايته. لقد وُلد البشر أحراراً؛ وبفعل القوة، يُحوَّلون إلى ما دون ذلك، والمشكلة الكبرى ستنشأ، حين يكتشف الإنسان أن المجتمع الذي به يصبح فاعلاً قوياً وسعيداً، يكون هو القفص الذي سيُسجن فيه. هذا ما اكتشفه روسّو الفرنسي، ولذلك رفضه بسذاجة، حين دعي للعودة إلى الطبيعة والخروج من المجتمع. وهنا بدأ التحدي: كيف مرّت على البشرية في الاتحاد السوفييتي السابق أوهام التفرّد بحكم الحزب الواحد، فكان ذلك حائلاً حاسماً دون إنزال الحرية السياسية، تخصيصاً، إلى أرض الواقع، فعلاً. من هنا جاءت المادة رقم 6 من الدستور السوفييتي، لتحسم الموقف، حيث جاء فيها: الحزب الشيوعي هو الذي يقود الدولة والمجتمع! ومع الإشارة إلى أن لينين -كما رأى البعض- دفع ثمن دعوته لتلك الحرية، حيث أُسكت برصاصة واحدة، فقد كان ذلك إنذاراً مأساوياً لمن يفكر بتوحيد الحرية السياسية بالعدالة الاجتماعية والاقتصادية. تلك التجربة التي استمرت سبعين عاماً، جرت محاولة تجاوزها وهمياً، بل التأكيد عليها حين عُقدت ندوة في حلب عام سقوط الاتحاد السوفييتي، تحدث فيها أحد أعضاء الحزب الحاكم في سوريا (البعث)، فقال: نحن هنا في سوريا صامدون في تجربتنا الحزبية الفريدة. وكان هذا الرجل يعني أن المادة رقم 8 في الدستور السوري دلّلت على صدقيتها وراهنيتها "الأبدية"، وهي التي تقول: إن حزب "البعث" العربي الاشتراكي، هو الذي يقود الدولة والمجتمع. ذلك كان المنطلق الحاسم والذي لا يجري عليه تغيير على مدى ما رافق حكم النظام "البعثي" منذ عام 1963، حيث أُعلن قانون الطوارئ والأحكام العرفية. وشيئاً فشيئاً، تمت عملية الاستفراد بسوريا. وفي ظل ذلك تكونت منظومة الاستفراد "الأبدي" هذه عبر عدد من الشعارات والمقولات ومنها التالية: قائد المسيرة، الأب القائد، إلى الأبد يا أسد، باني سوريا الحديثة. وتتتالى المواقف على ذلك النحو، حيث جاء بشار، فاستبشر الناس بالشاب المثقف، الذي عاش في صلب الحضارة الغربية. وكان مما خبرتُه عن الرئيس الجديد، أنني دعيتُ إلى محاضرة في مدينة "الرقة" حول ما سيأتي في بداية الولاية الثانية له ولمرحلته عام 2007. وتُرك لي اختيار عنوان المحاضرة، فكان التالي: سوريا في عيون مثقفيها. أعلنتُ في بداية المحاضرة أني سأقدمُ لمحاضرتي بالسؤالين التاليين: ما الذي أنجزه الرئيس في الولاية الأولي، وما هو برنامجه للولاية الثانية؟ كانت لحظة مأساوية، حين خرجت المرجعيات الثلاث في المدينة من قاعة المحاضرات، الحزبية والأمنية والمحافظة، احتجاجاً على ما طرحتُ بادئ ذي بدء. اكتشفت للمرة الأولى وبأسى شديد أن البيت الذي لا يُصلحه أصحابه في الوقت المناسب وبالكيفية المناسبة وبأقل الخسائر، هو آيل للاحتجاج وللخروج على ساسته، وها نحن الآن انتقلنا من المأساة إلى الكارثة!