منذ الإعلان يوم الاثنين الماضي عن انتخاب الدكتور شوقي إبراهيم عبدالكريم مفتياً جديداً للديار المصرية، صدرت ردود فعل كثيرة مرحبة باختياره في هذا المنصب، وقد اتفقت على ذلك كافة تيارات واتجاهات المشهد السياسي والديني المصري، مؤكدة على دعمها جميعاً له ولمؤسسة دار الإفتاء التي سيتولى رئاستها، خلفاً لمفتي مصر الحالي الدكتور علي جمعة، الذي تنتهي فترة توليه لهذا المنصب في شهر مارس المقبل. وقد مثلت حالة الإجماع العامة على الترحيب بالمفتي المنتخب في حد ذاتها اختراقاً ملفتاً لمشهد الاستقطاب السياسي والحزبي الراهن في مصر، حيث يحتدم الاحتقان والمواجهة السياسية والسجال الحزبي بين النظام والمعارضة على أي موقف، ووفق ما يشبه المعادلة الصفرية، التي لا تكاد أطرافها تلتقي على أية مشتركات، وتسودها أجواء من النقد والرفض من قبل الكل للكل. ولعل ما سمح بحالة الاستثناء السياسي التي تمتعت بها عملية انتخاب المفتي الجديد هو كونه عالم دين وسطياً، وغير مصنف سياسياً، ولا يرتبط بأية جماعة دينية أو سياسية، ولا يوالي أي حزب أو أي تنظيم. وقد وصفه أحد زملائه بالكلية التي كان يتولى بها تدريس الفقه والشريعة بجامعة الأزهر فرع طنطا (شمال القاهرة) بأنه "لا ينتمي لأي تيارات... ويحسن التعامل... ومشهود له بالكفاءة، هادئ، ولديه تدقيق، ويبشر بالخير لدار الإفتاء". وكانت عملية انتخاب المفتي الجديد، قد جرت عبر الاقتراع السري المباشر للمرة الأولى في تاريخ مصر الحديث، بعد أن كان شيخ الأزهر والمفتي يعينان بقرار من رئيس الجمهورية، ولكن التعديلات الأخيرة في نظام المؤسسة الأزهرية نصت على أن يتولى كبار علماء الأزهر انتخاب المفتي، على أن تحال نتيجة اقتراعهم إلى الرئيس للمصادقة عليها شكلياً. وكانت سابقة انتخاب المفتي، في نظر بعض المراقبين، وفي هذه اللحظات المحمومة بالذات التي تزداد فيها درجة تصعيد الأزمة السياسية والحزبية، وبالكيفية التي جرى بها الانتخاب في أجواء من التوافق والتفاهم والتناغم، كانت في كل ذلك رسالة واضحة موجهة من المؤسسة الأزهرية إلى قوى السلطة والمعارضة بشأن كيفية إجراء انتخابات حرة ومستقلة وذات مصداقية، دون حاجة إلى استقطاب أو مشاكل أو قلاقل. وبهذه الطريقة قدم "الأزهر نموذجاً فريداً للقوى السياسية المتناحرة على الساحة المصرية". وقد سمحت القوة الدينية والمعنوية للمؤسسة الدينية المصرية نفسها بتحقيق هذا المكسب، وأخذ مسافة أمان سياسي مناسبة من الجميع، ولذلك حافظت على عدم ظهور استقطاب داخلها هي نفسها فتمت "عملية انتخاب المفتى دون اتهام ولا استقطاب ولا مناكفة، وفى حالة من الشفافية، أثمرت نتيجة دعمت مصداقية مؤسسة الأزهر والإفتاء، بعيداً عن مصالح القوى الحاكمة في البلاد". ولد المفتي الجديد الدكتور شوقي إبراهيم عبدالكريم علام عام 1961، في مركز كوم حمادة بمحافظة البحيرة (دمنهور)، وحصل على ليسانس شريعة بكلية الشريعة والقانون بالأزهر. وتدرج بعد ذلك وظيفياً وعلمياً بكلية الشريعة والقانون بطنطا، وأعير لسلطنة عمان كرئيس قسم الفقه بكلية العلوم الشرعية. وحصل على الدكتوراه عام 1996 من كلية الشريعة أيضاً بجامعة الأزهر، عن رسالة موسومة "إيقاف سير الدعوى الجنائية وإنهاؤها بدون حكم في الفقه الإسلامي والقانون الوضعي... دراسة مقارنة". وتتناول مؤلفاته موضوعات مثل "تحديد الجنس وتغييره بين الحظر والمشروعية"، حيث يستعرض مسألة تحديد وتغيير الجنس قبل الولادة (مرحلة الحمل) وتحديد نوع الجنين، وكذا تحديد وتغيير الجنس بعد الولادة، ومعيار تمييز جنس الإنسان في الفقه والطب. وهذا موضوع من موضوعات فقه الواقع المستجد، غير التقليدي، أو هو بالمفهوم الفقهي المالكي "نازلة" فقهية جديدة. كما أن له أيضاً مؤلفات عديدة أخرى حول موضوعات ذات طابع تجديدي مقارن من الناحية الفقهية مثل كتبه عن "الحقوق السياسية للمرأة المسلمة... دراسة مقارنة بين الفقه والقانون"، و"المرأة والعولمة" و"دور الدولة في الزكاة". كما كتب مؤلفات عدة في أمور فقهية تقليدية مثل "التفريق القضائي بين الزوجين للعلل أو العيوب عند الفقهاء"، و"الطلاق السني والبدعي... حقيقة وحكماً"، و"القواعد الفقهية ودورها في التفسير القضائي للعقد عند التنازع في ألفاظها". ومفتي مصر الجديد مالكي المذهب، وإن لم تكن هذه أيضاً سابقة في المؤسسة الأزهرية، حيث سبق لفقيه مالكي آخر هو محمد الخضر حسين، التونسي المولد الجزائري الأصل، تولي منصب شيخ الأزهر الشريف من عام 1952 إلى عام 1954. وقد لا يكون هذا أيضاً هو وجه الشبه الوحيد بينهما، حيث إن كلاً منهما تولى كذلك منصباً كبيراً في المؤسسة الدينية المصرية في لحظة بدا فيها رجل إجماع وسط أجواء فرقة وتجاذب وتحول وصراع، وعدم استقرار. وفي سياق عدم الاستقرار الراهن تسعى دار الإفتاء المصرية، التي تأسست في نهاية القرن التاسع عشر، إلى الحفاظ على استقلالها وحيادها ضماناً لمكانتها الروحية ومهنية مهمتها المتمثلة في إصدار الفتاوى والانخراط في الدعوة. وكانت الدار قد استقلت مالياً وإدارياً منذ عام 2007 وإن كانت تتبع وزارة العدل هيكلياً وسياسياً. وفي أول تصريح له بعد انتخابه أكد المفتي الجديد على رغبته في النأي بنفسه وبدار الإفتاء عن استقطابات السياسة، والإسهام في القضاء على عشوائية الفتاوى التي انتشرت مؤخراً، كما سيدعم قناة الأزهر الجديدة التي خصص جزء من برامجها لفتوى دار الإفتاء من خلال برامج كاملة. وتبدو هذه الصورة الأولية عن البرنامج والتوجه الوسطي الرصين، متوافقة إلى حد بعيد مع منهج الأزهر، الذي نجح خلال السنتين الماضيتين في مقاومة محاولات "الإخوان" ترويض المؤسسة الأزهرية، أو توظيف مكانتها الروحية، ضمن سجالاتهم ضد معارضيهم. ولعل في تصريح المفتي الجديد يوم انتخابه بأنه "لا ينتمي إلا لمصر والأزهر" رسالة واضحة أخرى لكل من يهمهم الأمر وفي مقدمتهم "الإخوان" الذين تردد أنهم حاولوا أصلاً منافسته في المنصب لأخونة دار الإفتاء أيضاً، من خلال الدفع بعبدالرحمن البر -المعروف إعلامياً بمفتي الإخوان- مرشحاً لمنصب المفتي، ولكن قوة مقاومة المؤسسة الأزهرية في عهد شيخ الأزهر الحالي الدكتور أحمد الطيب سدت أمامهم جميع الأبواب.