إذا كانت الضغوط الخارجية أصبحت سمة تلاحق نظام الحكم في السودان من حين لآخر (قرار مجلس الأمن الأخير)، فإن هناك صراعاً مستمراً في الداخل يضاف إلى الأزمات الأخرى مثل "دارفور" والجنوب والشرق. إنه حزب المؤتمر الشعبي الذي يقوده الدكتور حسن الترابي العرّاب الأول للإسلام السياسي في السودان. لقد وصل الخلاف والصدام بين الحزب الحاكم وحكومته وحزب الدكتور الترابي حداً اتضح فيه أن التعايش بينهما من المستحيلات. وكانت آخر المواجهات هذا الأسبوع عندما قررت الحكومة إعادة اعتقال الدكتور الترابي وإرساله مرة أخرى إلى السجن مع اعتقال أكثر من عشرة من قادة حزبه النشطين متهمين، فيما تقول الدعوى، بأنهم يخططون لإثارة اضطرابات أمنية هدفها الإطاحة بالحكم.
وعلى امتداد نحو 5 سنوات ومنذ أن أبعد الترابي من الحكم وشكل له حزباً مناوئاً، فإن أسلوب الحكومة في التعامل معه هو ذاته. اعتقال تطول مدته ثم فك لإساره لبعض الوقت ثم إعادته للاعتقال مرة أخرى. ورغم أن الاتهامات ضد الترابي وأعوانه تتكرر بذات المعنى (التخريب وقلب نظام الحكم... إلخ) فإنه لم يحدث حتى الآن أن ثبت لدى محكمة قضائية أن تلك الاتهامات حقيقة ملموسة تستوجب الإدانة القضائية.
إن الظروف المعقدة والأزمات التي يمر بها السودان، وكذلك إقباله على قدر من التحول في أجهزة الدولة عند تنفيذ اتفاقيات "نيفاشا" وإشراك الحركة الشعبية لتحرير السودان (جماعة قرنق) في إدارة البلاد، كل هذا دفع قلة من قادة الحزب الحاكم إلى تبني دعوة خجولة هدفها محاولة خلق جسور بين حزبي الإسلاميين (حزب المؤتمر وحزب الترابي) أو الوصول إلى نوع من التصالح بينهما يعيد لكل دعاة الإسلام السياسي أن يكونوا موحدين في وجه حركة العلمانيين أو المتحالفين معهم. ولكن دعوة التقارب هذه لم تجد أذناً صاغية لدى كثيرين من قادة الحكم النافذين.
وقد كانت الزيارة التي قام بها وفد من قادة علماء المسلمين من غير السودانيين إلى السودان بقيادة فضيلة الشيخ القرضاوي في الأسبوع الماضي فرصة توقع دعاة التصالح أن يستغلوها لتحقيق هدفهم. ورغم أن الهدف المعلن من زيارة وفد العلماء للسودان كان الإطلاع على حقائق الأوضاع في "دارفور"، فإن المشايخ العلماء حاولوا التوسط بين الدكتور الترابي وأتباعه السابقين. وبالفعل فقد تيسر لبعض هؤلاء العلماء الاجتماع بالدكتور الترابي رغم أن إقامته كانت محددة قبل أن ينقل هذا الأسبوع إلى داخل سجن (كوبر) المعروف. واتضح أن ذلك المسعى لم يوفق، فقد ارتفعت وتيرة المواجهة بين نظام الحكم وجماعة الترابي ولما يكن وفد العلماء قد غادر السودان تماماً. وهكذا يبقى هذا الخلاف وتبقى هذه المواجهة دون أن يكون في الأفق ما يوحي باقتراب الوصول إلى حل فيها.
إن أزمات السودان المختلفة مثل الجنوب و"دارفور" وما إليها تجري الآن محاولة للوصول إلى حلول فيها كلاً على حدة، ولكن تظل أزمة العلاقة بجماعة الترابي معلقة إلى أن يتم الوفاق الوطني الشامل لا سيما بين قوى السودان الشمالي، ويوم ذاك قد يكون الحل النهائي في أن يصطف حزب الترابي مع أحزاب المعارضة الشمالية الأخرى ويصيبه ما أصاب هؤلاء من احتواء داخل حكم قومي أو غير ذلك من حلول تكون مرضية للجميع.