سياسات ومواقف الحكومات والإدارات الأميركية تُعرف من مواقف وتصريحات مسؤوليها وعلى رأسهم أوباما نفسه ومرشحوه للمناصب القيادية كوزير الخارجية ووزير الدفاع وتصريحاتهم الجديدة ومواقفهم القديمة. هناك أسباب عديدة تشير لغياب الحروب من أجندة إدارة أوباما الثانية. أولاً هناك تصريحات ومواقف أوباما وآخرها خطابه عن حالة الأمة الأسبوع الماضي، بإيلاء إدارته الجديدة أولوية للشأن الداخلي لبناء أميركا في الداخل وإدخال إصلاحات لبرامج الرعاية الصحية والهجرة. وهكذا تبدو أولويات إدارة أوباما الثانية هي الشأن الداخلي وليس التوغل والتدخل في الشأن الخارجي وخاصة خوض حروب ومواجهات...وإذا كان لا بد من مواجهات كخيار أخير بعد استنزاف جميع الوسائل الدبلوماسية كالحالة مع إيران قد تكون حروب أميركا المستقبلية إذا ما كان هناك ضرورة لها هي حالة الحرب ضد ليبيا وليس حرب أفغانستان والعراق. لا حروب أميركية طويلة ومكلفة وباهظة بعد اليوم بل حروب قصيرة ومختصرة تقودها واشنطن مع تحالف من الخلف... في ليبيا تركت القيادة لحلف شمال الأطلسي، وما يحصل اليوم في مالي بترك فرنسا تقود في الأمام بينما أميركا تقود من الخلف لوجستيا وأمنيا واستخباراتيا وماليا. ثانيا: لأول مرة في تاريخ الولايات المتحدة يكون أهم وزيرين في إدارة أميركية مقاتلين سابقين قاتلا في فيتنام هما وزير الخارجية جون كيري ولاحقاً أصبح مناهضاً للحرب وقدم رأيه في جلسة في مجلس الشيوخ عام 1971، وحصل على أعلى أوسمة الشجاعة. وكذلك المرشح لمنصب وزير الدفاع تشيك هاجل والذي إذا صادق مجلس الشيوخ على ترشيح أوباما له، سيصبح أول وزير دفاع أميركي كان جندياً متطوعا في الجيش الأميركي وشارك في حرب فيتنام...هو وشقيقه توم وأصيب بجروح بليغة عام 1968. وكلا الوزيرين يعلم تماماً ماذا تعني الحروب وآلامها وجراحها... عندما قدم أوباما مرشحه لمنصب وزير الدفاع تشيك هاجل عرفه بأنه لا يزال يحمل آثار الجروح وبقايا الشظايا من حرب فيتنام في جسده.. ولم يكن يتكلم بلغة مجازية وإنشائية بل بلغة واقعية حيث لا يزال داخل جسد وزير الدفاع الجديد بعد أن يصادق عليه مجلس الشيوخ بقايا جراح عميقة من حرب فيتنام التي كادت تودي بحياته وبحياة شقيقه توم. عام 1968. كلا الوزيرين وزير الخارجية جون كيري ووزير الدفاع الذي لا يزال يمر بمرحلة متعثرة وتشدد من "الجمهوريين" في لجنة شؤون الخدمات العسكرية المكلفة باستجواب المرشح والسناتور "الجمهوري" المعتدل السابق المقاتل السابق في حرب فيتنام للمصادقة على تعيينه، حيث قاتل "تشيك هاجل" مع شقيقه توم وأصيبا بجروح بليغة في عام 1968، تعهد "هاجل" إذا نجا من إصابته وكُتب له أن يكون في موقع المسؤولية في المستقبل، فإنه لن يوافق أبدا على المشاركة بحروب غير ضرورية وبلا هدف وعبر عن رفضه فيما وصفه "To avoid needless and senseless wars." تعيينات إدارة أوباما لولايته الثانية تعبر عن نهج دأب الرئيس على اتباعه، حيث إنه قام بتعيين أشخاص في المناصب الرئيسية والقيادية لفريق عمله في الأمن الوطني الذي يشمل الخارجية والدفاع الاستخبارات ومستشار الأمن الوطني شخصيات تتطابق رؤاهم ومواقفهم مع رؤى الرئيس نفسه من حيث البراجماتية والواقعية السياسية. لذلك كما كان واضحا في إدارة أوباما الأولى لم يكن هناك أي انقسام وانشقاق في فريقه الوزاري على الأقل علنا... هذا النهج ما يريد أوباما أن يكمله في تعييناته في إدارته الثانية. ولكن ما برز مؤخرا من تعليقات حول الشأن السوري يثير الكثير من التساؤل حول ذلك الانسجام. ما نشرته "نيويورك تايمز" قبل أيام يشير إلى أن الشأن السوري الذي تبقى أميركا مبتعدة عن الانغماس به ولو عن بعد ولو كما فعلت في ليبيا في "القيادة من الخلف." أوردت صحيفة "نيويورك تايمز" أن وزير الدفاع المغادر "ليون بانتا" ووزيرة الخارجية السابقة هيلاري، ورئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة مارتن ديمبسي أبدوا موافقتهم على تسليح وتأهيل فصائل منتقاة من المعارضة السورية لإحداث توازن ضد النظام السوري. لكن البيت الأبيض رفض ذلك المقترح، وهذا يدل على أن هذا قد يكون أول انشقاق علني في إدارة الرئيس أوباما الأولى. ثالثا: واضح أن الرئيس أوباما يشكل فريق عمل متجانس بتعيينات الخارجية والدفاع والاستخبارات والأمن الوطني هو أن فريق أوباما عملي وبراغماتي وواقعي لإدارة انسحبت من العراق وتتهيأ لبدء خفض عديد قواتها من أفغانستان إلى النصف خلال عام والانسحاب الكلي من أفغانستان في عام 2014 منهيا بذلك أطول حروب أميركا على مر التاريخ. السبب الرابع: غياب حروب مستقبلية في الأفق الأميركي، يعود إلى تراجع الدور والحضور الأميركي كما تقول حتى تقارير الاستخبارات الأميركية بسبب صعود قوى أخرى حول العالم. كما أن الولايات المتحدة الأميركية تبدو اليوم متراجعة ومثخنة بجراحها من الأزمة المالية التي زادت من جراحها، والتي كانت الشأن الحاسم في انتخابات الرئاسة الأميركية، حيث أقنع أوباما المزيد من الأميركيين بأن خططه وبرنامجه للإصلاح الاقتصادي هي أفضل مما يطرحه منافسه "ميت رومني". ولأول مرة منذ اعتداءات 11 سبتمبر 2001 لا يكون للشأن الأمني والإرهاب و"القاعدة" دور أو تأثير في انتخابات الرئاسة الأميركية بعد الانسحاب العسكري من العراق بعد حرب شرسة ومكلفة بشريا وماليا وهو ما لا يزال مستمرا في أفغانستان. ناهيك عن اغتيال بن لادن وتفكيك "القاعدة" وتراجع حضورها ومحاصرتها واصطياد قادتها وكوادرها بطائرات من دون طيار في باكستان وأفغانستان واليمن والصومال واليوم، هناك قاعدة عسكرية أميركية في النيجر لتعقب ومحاربة "القاعدة" في شمال أفريقيا. السبب الخامس: المزاج العام الأميركي بعد أكثر من عقد من الحروب والمواجهات ملّ الحروب التي أثقلت كاهل أميركا وشعبها الذي يريد الحكومة أن تهتم به وبمشاكله ومدنه وقضاياه. هذه الأسباب مجتمعة تقود المحلل والمتابع لاستنتاج أن لا حروب أميركية في الأفق لأن الحروب لم تعد في الأجندة الأميركية حسب ما تراه إدارة أوباما، إلا كخيار أخير وقهري واضطراري.. لكن يبقى التحدي الكبير كيف يقرأ خصوم أميركا هذا الواقع وخاصة في إيران وكوريا الشمالية وسط تحديهما واقتناع القياديتين بأن لا حرب في الأفق؟!! ما قد يقود لحرب لا يريدها أحد!