إثر فوزه بجائزة نوبل عن مجهوداته وإنجازاته في مجال المناعة والوقاية، سخَّر "جيرالد إيلدرمان"- مؤلف هذا الكتاب- كل المبلغ الذي حاز عليه من الجائزة، إضافة إلى كل ما كان لديه لإنشاء معمله الخاص الذي أطلق عليه اسم "صومعة العلم" بالقرب من مدينة "لاجولا "بولاية كاليفورنيا. فاز "إيلدرمان" بجائزة نوبل في عام 1972، ولكنه في ذلك التاريخ، اتجه إلى دراسة الأعصاب والوعي الإنساني. في كتابه هذا وفي كل الجهود العلمية السابقة له، التي بذلها في هذا الاتجاه، انصب اهتمام "إيلدرمان" في أمر واحد، هو إزاحة الغشاوة المعرفية عن عيون أولئك الذين لا يزالون على اعتقادهم الدارج القديم، بأن الوعي هو مسألة غامضة، ميتافيزيقية، ولا سبيل لكشف غموضها بوسائل العلم المعروفة. لذا فإن الكتاب الحالي يجيء في إطار السعي لإزالة الغشاوة هذه، وتقديم الإجابات عما يطرح من تساؤلات حول الوعي استناداً على العلم وليس الخرافة والروحانيات.
الوعي في نظر "إيلدرمان" هو عبارة عن عملية تطورية، تتبع نفس المنطق الدارويني الذي تكيفت بموجبه الكائنات الحية على البيئة المحيطة بها، واستطاعت أن تتعرف عليها عبر مدة زمنية استمرت لآلاف السنين. ومن رأي الكاتب أن هذا المدخل الدارويني لموضوع الوعي وإدراك العالم، يعتمد على مكونين رئيسيين، هما التنوع والانتخاب. ويعني ذلك أن يكون هناك تنوع عشوائي للأنواع، ثم يدور تنافس فيما بينها وفقاً لمنهج الانتخاب الطبيعي، بحيث تكون الغلبة لأنواع معينة على الأخرى. وبالنسبة للوعي فإن هذا التنوع العشوائي موجود أصلا في دماغ الإنسان، لكونه يتألف من مجموعة متنوعة من الوصلات والخلايا المرتبطة مع بعضها بعضاً ارتباطاً مرناً ورخواً، مع تعدد الطرق التي ترتبط بها هذه الوصلات والخلايا الدماغية مع بعضها بعضاً. ثم ومن خلال هذه الترابطات، تنشأ علمية الانتخاب الطبيعي، اعتماداً على الذاكرة الوراثية لما هو سيئ وما هو مفيد وصالح، واعتماداً على عمل الخلايا الدماغية نفسها، التي تؤدي مهام تصوير العالم الخارجي المحيط، على نحو هادف وذي معنى في اللحظة المعينة من الاستجابة والتفاعل مع العالم الخارجي. تلك هي الوظيفة المشتركة بين شبكة الخلايا الدماغية والوصلات العصبية المرتبطة بها.
وبهذا المعنى يكون الوعي نتاجاً للتحول السريع في وظائف وعمل الخلايا الدماغية والعصبية، باعتبارها الأعضاء الرئيسية في النشاط الفيزيولوجي الذي يقوم به الدماغ. وفي رأي "إيلدرمان" أن هذا المنهج التطوري في فهم الوعي، هو الكفيل بالإجابة على كافة الأسئلة التي يثيرها الفهم الميتافيزيقي للظاهرة. إلى ذلك يضيف المؤلف القول إن أدمغتنا حرة وخلاقة في الأساس، لكونها تجهد دائماً في التعبير عن التنوع العصبي الذي تحظى به، ولأنها لا تتبع مساراً أو خطوات جرى التكهن بها مسبقاً، للطريقة التي تنجز بها عملها.
لكن على رغم هذه الحرية الكبيرة، فإن عملية الوعي عادة ما تكون ذات صلة بموضوع معين، في لحظة زمنية معينة. وهو لابد من أن يكون كذلك، طالما أن مصفاة الانتخاب، لا تعني شيئاً آخر سوى القدرة على تمثل العالم وتصويره في لحظة زمنية معينة. وكما يقول "إيلدرمان" في هذا الخصوص، فإن أي فعل إدراكي معرفي، إنما هو في الواقع، تمييز بين مجموعة من التجارب الذهنية المحتملة. على سبيل المثال، فإن كنا نرى الأحمر فاقعاً بكل هذه الدرجة من الحمرة التي عرفناها، فذلك لأننا نرى اللون الأحمر وليس اللون الوردي في اللحظة المعينة. وتتسم عملية الوعي بالشمول، لكونها تكشف سر كل من الحياة و العقل البشري معاً.
وفيما إذا كانت ثمة ثورة متوقعة في مجال فهم الوعي البشري والطريقة التي يعمل بها دماغ الإنسان، فإنها لن تنطلق إلا من قاعدة هذه النظرة العضوية للدماغ.
ويبقى سؤال مهم حول كل ما قال به إيلدرمان: هل هو العالِم الوحيد الذي ذهب إلى النظر إلى الوعي ودراسته على أساس فيزيولوجي عصبي؟ فهناك عشرات العلماء والباحثين قبله وبعده، ممن جاءوا بأفكار لا تقل عن هذه أهمية، وفتحاً معرفياً في فهمنا للوعي وكيفية عمل دماغ الإنسان وتمثله للعالم الخارجي المحيط به. كما لا يزال "إيلدرمان" يواجه المأزق الفلسفي المرتبط بالوعي. والمقصود هنا، ما يثيره المتشككون من أنه في وسع العلماء والباحثين في مجال علم الأعصاب والدماغ، أن يبينوا الطريقة التي يؤدي بها الدماغ وظائفه الإدراكية، دون أن يتمكنوا من الإجابة على سؤال مهم: لماذا يعمل الدماغ ذاتياً، شأنه شأن أعضاء الجسم الأخرى، وكأن طاقة داخلية من المعرفة السابقة الكامنة، هي التي تحركه وتحثه على أداء وظائفه على النحو الذي اختص العلماء بتوضيحه والكشف عن أسراره.
هكذا تثار في وجه المؤلف مجدداً معضلة الأبعاد الميتافيزيقية للوعي والإدراك، وهي المعضلة التي تواجهه مثل غيره ممن يؤسسون الظاهرة على منشأ فيزيولوجي، يرون فيه مصدراً وحيداً للوعي والإدراك. ولئن كانت المعضلة محلولة في نظر المؤلف في شقها العلمي البحت، فإنها ليست كذلك في جانبها ال