في الوقت الراهن، ترتفع درجات الحرارة في كوكب الأرض، بوتيرة أسرع مما كان يعتقده العلماء منذ سنوات قليلة فقط؛ كما يذوب الغطاء الثلجي في القطب الشمالي بمعدل لم يكن سوى عدد محدود من الباحثين يتوقعه. والشيء الأكثر إثارة للقلق أن ما يعرف بـ"الجمد الأبدي" Permafrost أي الطبقة المتجمدة تحت سطح الأرض، بدأت هي الأخرى في الذوبان، وهو ما قد يترتب عليه إطلاق كميات هائلة من غاز الميثان وهو غاز دفيئة أقوى عشرين مرة من ثاني أكسيد الكربون. الموقف جد خطير؛ بيد أنه ليس من النوع غير القابل للحل. فعلى الرغم من أن أغلبية العلماء يرون أن البشر هم الذين خلقوا هذه المشكلة، فإن الابتكارات الجديدة التي تخترعها قريحة البشر ذاته، هي فقط القادرة على حلها. وعلى الرغم من أن التغير المناخي مشكلة عالمية، إلا أن العالم يتطلع للولايات المتحدة لقيادة الجهود الرامية لمواجهة هذه المشكلة وحلها. هناك ثلاثة أسباب لذلك: الأول، أن أميركا هي أكبر قوة اقتصادية في العالم. الثاني، أن الولايات المتحدة كانت المعترض الرئيسي على الدوام في كافة مؤتمرات المناخ العالمية، وهو ما كان يحول دون اتخاذ الإجراءات الصارمة التي يحتاج إليها العالم لتقليص انبعاثات غازات الدفيئة، وإبطاء وتيرة التغير المناخي. الثالث، أن الولايات المتحدة، مازالت هي الدولة القائدة في مجال العلوم والابتكارات في العالم. لقد رأيت نموذجاً لذلك عندما زرت "د.كلاوس لاكنر" رئيس قسم الأرض والهندسة البيئية بجامعة كولومبيا في مختبره في شهر ديسمبر الماضي، حيث أطلعني على نموذج مصغر لتقنية جديدة لاحتجاز الكربون. وهذه التقنية ليست مشروعاً جيو- هندسي خطيراً، كما يقول "لاكنر"؛ وإنما هي تقنية تتمثل مهمتها في تنظيف المخلفات التي نتركها وراءنا، كما تقوم بإصلاح الضرر الذي ألحقناه بالكوكب والحياة على ظهره. و" لاكنر" يتخيل يوماً، يتمكن فيه البشر من إنشاء غابات ذات أشجار صناعية بتكلفة تقل عن تكلفة العديد من الصناعات، ويمكن وضعها في أي مكان على سطح الأرض. وهذه الغابات ستساعد على حل جزء كبير من مشكلة المناخ. في الوقت نفسه نجد أن"جراسيلا تشيشيلنسكي"- وهي واحدة من ضمن المهندسين الأصليين الذين صاغوا ما يعرف بـ"بروتوكول كيوتو"- وبيتر أييزنبجر الذي أنشأ معهد الأرض في كولومبيا، قد قاما معاً في الآونة الأخيرة بتطوير نظام آخر يستخدم الحرارة الزائدة المنتجة بواسطة مصانع توليد الطاقة لطرد ثاني أكسيد الكربون من الجو. وقالت لي السيدة "تشيشيلنسكي" إنها تتوقع أن تتمكن تقنية احتجاز وبيع ثاني أكسيد الكربون لأي مجموعة صناعية من تغطية نفقاتها خلال السنوات القادمة، بحيث لا تكون في حاجة لأي دعم خارجي. من ضمن الاستخدامات الممكنة لغازات الدفيئة، استخدامها في تجديد وإحياء منشآت النفط، حيث يتم ضخ الكربون في آبار النفط المستنفدة إلى أن تقوم تلك الآبار بإخراج النفط الذي لم يتم استغلاله بعد. والسوق العالمي المزدهر لمثل هذا الاستخدام يتوقع أن يزيد عن 800 مليار دولار خلال عقد واحد وفقاً لـ"تشيشيلنسكي" واحتجاز الكربون للأغراض التجارية، يمكن أن يساعد على التخلص من بعض كمياته المنتشرة في الغلاف الجوي، تفوق الكميات التي نتوقعها في الوقت الراهن، مع إمكانية تحقيقها في الوقت نفسه لأرباح طائلة على النحو المشار إليه في الفقرة السابقة. ولكن الحكومات في مختلف أنحاء العالم يجب أن تعمل في الوقت نفسه على "تزييت العجلات"، أي تسهيل سير الأمور من خلال إصدار التفويض المتعلق بإنشاء سوق للكربون يطلب في إطاره من الشركات أن تعوض الضرر الذي أدى إليه التلوث الذي تسببت فيه. يبدو هذا الاقتراح وجيهاً لحد كبير. فمع التقنيات الخلاقة الجديدة مثل تقنية احتجاز الكربون، التي باتت على وشك أن تصبح قابلة للاستمرار والحياة، هناك حاجة في الآن ذاته إلى دفعة من جانب واشنطن وغيرها من العواصم العالمية الكبرى، يمكن أن يكون لها تأثير قوي على خلق كوابح على التغير المناخي تعتمد على أسس تجارية. السؤال المتعلق بما إذا كانت تقنية احتجاز الكربون، أو أي تقنية أخرى في طور التكوين هي الحل لمشكلة التغير المناخي أم لا يحتاج إلى بعض الوقت حتى يمكن الإجابة عليه. ولكن ما لا شك فيه أن مقاربة السوق الحرة التي يمكن في إطارها للتقنيات المختلفة أن تتصارع على أرضية مستوية- أي تطبق فيها قوانين عادلة على الجميع- سوف تؤدي سريعاً إلى تخفيض الأسعار وتقرر أي تقنية هي الأكثر فعالية لجهة توفيرالنفقات. هناك إذن فرصة تاريخية أمام أوباما كي يدفع من أجل إنشاء سوق كربون إجباري خلال فترة ولايته الثانية، ويبدأ التعاون مع الدول الأخرى في تطبيق إجراءات دولية جسورة للحد من غازات الدفيئة. ولا شك أن الاتحاد الأوروبي الذي يوجد لديه بالفعل مشروع للمتاجرة في الانبعاثات الكربونية يعتبر هو المكان المناسب الذي يمكن لأوباما أن يطلب منه هذا التعاون. بعد ذلك يتعين على أميركا الاضطلاع بدورها كقائدة للعالم. لقد شهدت خلال حياتي الولايات المتحدة وهو ترسل رجلا لسطح القمر، ورأيتها وهي تساهم في اختراع شبكة الإنترنت، الذي وحد العالم في شبكة عالمية واسعة النطاق تقوم على الاتصالات المباشرة الآنية. ومن هنا فإنه لا يساورني أدنى شك في أننا في الولايات المتحدة سنكون قادرين على محاربة التغير المناخي. ــ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ريتشارد شيفمان كاتب أميركي متخصص في قضايا البيئة ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»