أصاب بالغثيان عندما أقرأ بعض ما يكتبه تجار «الأنتلجنسيا العربية»، وهم وللأسف كثر. الأديب الكبير والسياسي غازي القصيبي، قال في إحدى كتاباته إننا في دول النفط لدينا وهم الشراء ، فالمال النفطي يشتري التنمية بمنتجاتها، فلا نتعب في شراء قيمها كما نشتري منتجاتها. وكان القصيبي يعتبُ على من يؤمن بأن كل شيء يخضع لمعادلة النفط، وحتى العقول، فهو كان يؤمن بتنمية العقول وليس بشرائها ، فمن تشتريه يبيعك لمن يدفع أكثر. يبدو لي كل شيء يتغير بسرعة البرق، فاليوم نقرأ لكُتاب يفترض فيهم الحد الأدنى من الأخلاق، إلا أننا نجدهم يؤجرون عقولهم. المفكر هشام شرابي جسد لنا واقع المثقفين العرب في كتابه "الجمر والرماد"، فهو قدم لنا رؤية في بيع العقول لسلطة المال، ويشرح لنا ظروف نشأتهم والبيئة التي انتجتهم. وكان مبدعاً في تحليله لسلطة المال، ولم يبتعد عنه القصيبي في تحليله في وهم شراء العقول. أتحاشى بقدر ما استطيع تسمية أسماء بعينها، فلا أريد أن أخصص، بقدر ما أريد إثارة النقاش حول ظاهرة تزايد عدد المثقفين الذين يعتقدون أن أقلامهم تملك تغير الواقع. فاليوم نرى ونشاهد ونتواصل ونسمع ونحلل. فالحقائق على أرض الواقع ساطعة. هؤلاء الذين يعرضون بضاعتهم من "الانتلجنسيا" العربية مازال سوقهم رائجة، فهم تحولوا إلى تجارة وجبات الميكرويف السريعة، يبيعون وجباتهم لمن ما زالوا يعيشون على وهم غسل العقول وتسميمها بوجبات رديئة وهي تجارة رابحة إلى أن يتم تفعيل المعادلة البسيطة التي نلخصها باللهجة الخليجية "لا تبوق لا تخاف"، بمعنى تكافؤ الفرص وتحقيق العدالة والشفافية ، وهي معادلة لا يمكننا إغفالها مهما عملنا حيث أننا محكومون بعالم تتغير ركائزه التقليدية وتتطلب إعادة تقييم تعامل السلطة مع استحقاقات يفرزها واقع متجدد. هذا يحقن قلمه، وهو المتخصص في القضية الفلسطينية ويصيبنا بالغثيان، وهو يحلل بلغة ساذجة لما يحدث في الكويت، ويكيل بمكيالين، فهو من ناحية ينادي بعدالة القضية الفلسطينية من جانب، ويعادي دعاة التطوير الخليجي، فهم بالنسبة له مترفون ومارقون والثاني يسمي دعوات التطوير بموضة الثورة... وهكذا تمتلئ موائد السلطة بمنتجات "الميكرويف" لتقدمها لنا وأهمه أنها قادرة على تغيير القناعات التي تشكلت وفق قانون الطبيعة الذي يحكم السلوك الإنساني. وبكل تأكيد، وبالرغم من انتشار سوق منتجات وجبات "الانتجلنسيا" السريعة، فنحن على قناعة بأن هناك أرحاماً تلد لنا كتاباً ومفكريين لا نملك إلا أن نرفع لهم العقال ونحييهم على حسن قلمهم في تحليلهم لما يحدث في بلدان الخليج العربي، فالكاتب جورج سمعان مثال على ذلك، عندما يقول في إحدى كتاباته إن الكويت بحاجة إلى عقد اجتماعي جديد. فهو ينقل الحدث ضمن قيم أخلاقية تحكم قلمه ولا يرضى أن يبيعنا بضاعة الوجبات السريعة المضرة بالصحة.