لم أقرأ عن العراق في الآونة الأخيرة لأنني بصراحة شعرت أنني كمن يطلق النار على سمكة في برميل· كنت أمتع نفسي في شهر يناير الماضي بكتابة أعمدة تعارض الحرب، أي عندما كان البيت الأبيض يستحضر في ذهنه صور الجمرة الخبيثة العراقية الكافية لـ قتل الملايين من البشر ، وكذلك صور حشود العراقيين المبتهجين وهم يرمون الزهور على جنودنا· وفي هذه الأيام، صارت الجمرة الخبيثة محيرة مراوغة يصعب الإمساك بها، شأنها في هذا شأن صدام حسين نفسه· كما بات العراقيون الذين حررناهم منشغلين الآن بقتلنا؛ وقد بلغت فاتورة الإنفاق على العراق معدل 90 ألف دولار في الدقيقة الواحدة· لا بأس، الآن بات انتقاد الحرب على العراق في غاية السهولة، وأشبه برمي قنبلة على بامبي (وهو اسم الغزال في الفيلم الكرتوني الشهير بامبي )· ولهذا السبب لن أفعل ذلك·
في أية حال، لا يتمثل السؤال الحقيقي الذي يواجهنا الآن بما إذا كان غزو العراق ذروة الطموح والغرور، بل إنه معني بما يلي: باعتبار أننا صرنا هناك، كيف نستغل وجودنا على أفضل وجه ممكن؟
أخشى أن الكثيرين في معسكر الحمائم الذي أنتمي إليه يحسبون أن عدم وجود سبب يوجب علينا القيام بالغزو يعني أيضاً أننا لا ينبغي أن نبقى هناك- أو أننا على الأقل لا ينبغي أن نساعد السيد بوش في تسديد الفاتورة· إن طلب السيد بوش إضافة مبلغ 87 مليار دولار على الميزانية من أجل العراق وأفغانستان يتعرض للكمات والضربات هذا الأسبوع في الكابيتول هيل ، إلى حد ما لأن الناس غاضبون من قيام الإدارة بتضليلهم وحشد تأييدهم لمناصرة الحرب·
وستبدو بعض عناصر الميزانية، إذا تمت الموافقة على منحها، (شأنها شأن جزء كبير من عملية العراق) متأصلة أكثر مما ينبغي في توقعاتنا نحن: ففي شمال العراق، أفاد المهندسون الأميركيون بأن تحديث أحد مصانع الإسمنت في المنطقة،ورفعه إلى المعايير الغربية، سوف يتطلب مبلغ 50 مليون دولار· وقد وجد الجنرال الأميركي هناك، وهو الذي لا يمتلك هذا المبلغ من المال، بعض العراقيين الذين قاموا بإدخال المصنع حيز التشغيل مرة أخرى بتكاليف بلغت 80 ألف دولار· والناس في بلدتي يامهيل - ولاية أوريغون يواجهون عناءً في فهم السبب الذي يجعل الإدارة تريد أن تشتري للعراقيين شاحنات جديدة للزبالة تكلفة الواحدة منها 50 ألف دولار· في زيارتي الأخيرة أدهشني أن سكان ولاية أوريغون ، الذين يرون بأم أعينهم إلغاء البرامج الخاصة بمدارسهم المحلية، مستاؤون من كونهم مضطرين إلى تقديم المساعدات المالية إلى العراق، وهو استياء تضرب جذوره في الأعماق: حيث يكشف أحدث استطلاعات الرأي، الذي أجرته مؤسسة غالوب وشبكة سي إن إن ومجلة يو إس تو داي ، عن أن 57 بالمئة من الأميركيين (مقابل 41 في المئة من المؤيدين) يعارضون الطلب الخاص بتحميل الميزانية مساعدات إلى العراق·
وأخشى أننا الآن سنضاعف خطأ غزو العراق برفض تسديد تكاليف الاحتلال وبالتالي سحب قواتنا من هناك قبل الأوان· وإذا تواصل تدهور الوضع في العراق، وإذا واصل الديمقراطيون ضرب المطارق على السيد بوش عقاباً له على حماقته، وإذا راودت كارل روف كوابيس حملة انتخابية يخوضها على خلفية عمليات التفجير الانتحارية في بغداد، فإنني عندئذ أخشى أن البيت الأبيض قد يكتفي بإعلان النصر فالانسحاب·
وفي تلك الحالة، لن يدوم العراق لأكثر من عشر دقائق ليتفكك ويتناثر حطاماً في انقلاب مفاجئ أو أتون حرب أهلية·
أتقولون إن هذا من غير الممكن أن يحدث؟! بل تركنا أفغانستان لتتناثر إلى أجزاء إثر الانتصار على الحكومة المدعومة من السوفييت في عام 1992؛ وقد تركنا الصومال ليتفكك إلى أشلاء بعد انسحابنا منه بين عام 1993 وعام ·1994 وها نحن الآن لا نصدق عيوننا ونحن نرى أن الإدارة ماضية في ترك أفغانستان لتتقطع أوصالها مرة أخرى·
إن يحدث ذلك في العراق، فسوف تصبح المصداقية الأميركية أثراً بعد عين، وسوف تصير لمنظمة القاعدة قاعدة جديدة لتنفيذ العمليات، وسوف تزداد أحوال العراقيين سوءاً فوق سوئها، بل ستكون أسوأ مما كانت في أيام صدام حسين·
من يدري على وجه اليقين ما سيحدث؟! في تلك الحالة من الممكن أن يعود صدام حسين في ثوب أمير حرب تكريت ·
كيف نقلص احتمال انهيار العراق؟ أولاً، علينا أن نسد أنوفنا ونقوم بإقرار طلب الرئيس إضافة بند الأموال المخصصة للعراق وأفغانستان إلى الميزانية· وتعتري نفوس العراقيين الذين أجريت المقابلات معهم شكوك في معظم الأحيان حيال نوايا الولايات المتحدة (لقد قالوا لي: أنتم تخططون لسرقة نفطنا )، لكنهم مستعدون لمنحنا فرصة إذا كنا نستطيع وضع حد لجرائم اغتصاب النساء ونستطيع فتح المصانع من جديد· وإن تقليص تلك الميزانية- أو تحويلها إلى قرض ينبغي سداده من عائدات النفط- أمر من شأنه أن يدمر الاقتصاد العراقي وأن يؤدي كذلك إلى إقناع الكثيرين من العراقيين المترددين بأننا بالفعل غزاة محتلون وبأن نسفنا وتفجيرنا أفضل سبيل إلى التعامل معنا·
ويمكننا أيضاً أن نحشد التأييد في العراق باتخاذ ترتيبات انتقال