في الحادي عشر من مارس الماضي تعرضت أسبانيا إلى مأساة الانفجار الرهيب في أحد قطارات العاصمة مدريد والذي أدى إلى سقوط أكثر من 200 قتيل وأكثر من ألف جريح من الضحايا الأبرياء. كانت الحكومة الأسبانية برئاسة "جوزيه أزنار" ملتزمة بالسياسة الأميركية في الشرق الأوسط. وكانت تشارك في الحرب الأميركية على العراق رغم معارضة الأكثرية الساحقة من الشعب الأسباني.
بعد ثلاثة أيام من الانفجار الإجرامي الرهيب جرت انتخابات عامة في أسبانيا أدت إلى سقوط الحزب الحاكم وإلى تخلي "أزنار" عن رئاسة الحكومة؛ وكان أول عمل قامت به الحكومة الجديدة برئاسة "جوزيه لويس زاباتارو" زعيم الحزب الاشتراكي هو سحب القوات الأسبانية من العراق.
في التاسع من سبتمبر الجاري تعرّضت السفارة الأسترالية في جاكرتا إلى عدوان إجرامي أدى إلى سقوط ثمانية قتلى وأكثر من مئة جريح. أعلنت "الجماعة الإسلامية" الإندونيسية رسمياً مسؤوليتها عن هذا الحادث. ومن الواضح أن في حسابات هذه الجماعة أن يتكرر في أستراليا من جراء هذا الحادث سيناريو التغيير الذي حدث في أسبانيا. ذلك أن أستراليا تستعد لإجراء انتخابات عامة جديدة في التاسع من شهر أكتوبر القادم، حيث يواجه رئيس حكومتها "جون هاورد" معارضة شديدة بسبب تأييده اللامحدود للسياسة الأميركية ومشاركته في الحرب على العراق وبسبب تبنيه منطق الرئيس جورج بوش ومبرراته للحرب. وكانت 43 شخصية أسترالية من الدبلوماسيين والعسكريين السابقين قد وضعت مذكرة اتهمت فيها رئيس الحكومة بـ"خداع الرأي العام حول موضوع التزامه بإرسال قوات أسترالية للمشاركة في الحرب على العراق". ومنذ ذلك الوقت والاتهامات بالكذب توجَّه إليه وتطعن في صدقيته وفي أمانته السياسية.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن "سياسة مذكرات الاحتجاج والإدانة" بدأت في الولايات المتحدة أولاً عندما وضعت مجموعة من كبار السياسيين والدبلوماسيين والعسكريين المتقاعدين من الحزبين الجمهوري والديمقراطي مذكرة أدانت فيها سياسة الرئيس بوش الخارجية وخاصة في الشرق الأوسط، وتبعتها مذكرة بنفس المعنى من مجموعة مماثلة في بريطانيا ضد سياسة رئيس الحكومة "توني بلير". ثم جاءت المذكرة الأسترالية.
صحيح أن أستراليا شهدت مظاهرات شعبية عارمة ضد الحرب، وضد المشاركة فيها، إلا أن الصحيح أيضاً أن الاقتصاد الأسترالي يشهد نمواً يزيد على أربعة في المئة سنوياً، كما يشهد انخفاضاً في التضخم، الأمر الذي يعني أن سقوط حزب الأحرار الحاكم بزعامة "هاورد" قد يعرض البلاد إلى انتكاسة اقتصادية. وهو ما يحرص الرأي العام الأسترالي على تجنبه. ويبدو أن ورقة النمو الاقتصادي تشكل قوة رافعة للرئيس الأسترالي كما تشكل قوة رافعة في الولايات المتحدة للرئيس جورج بوش. فالمجتمع الأسترالي كالمجتمع الأميركي يقيس نجاح أو فشل أية حكومة أو رئيس على فشل أو نجاح سياسته الاقتصادية. إلا أن هذا العامل على أهميته لا يملك وحده القدرة على الحسم وإن كان يملك القدرة على الترجيح. ذلك أن ثمة مصالح أمنية، ومصالح تجارية دولية، وفوق ذلك ثمة قيم أخلاقية تلعب أدواراً أساسية في الضغط على صياغة القرارات السياسية خاصة من خلال العمليات الانتخابية.
وينافس "هاورد" الذي يبلغ من العمر 65 عاماً قضى منها ثلاثين عاماً في العمل السياسي (منها 8 سنوات رئيساً للحكومة) زعيم حزب العمال الشاب "مارك لاثمان" الذي يبلغ من العمر 43 عاماً، والذي يفتقر سجله السياسي إلى التجربة في إدارة شؤون الدولة. وكان قد تشاجر مع سائق سيارة أجرة وبلغ الشجار حداً تمكن معه من كسر يد السائق. ومع ذلك فإن أمله كبير في أن يقطع الطريق أمام "هاورد" للفوز برئاسة الحكومة للمرة الرابعة. ولكن إذا حدث ذلك، وهو أمر محتمل، فهل يجوز اعتباره نتيجة للعدوان الذي استهدف السفارة الأسترالية في جاكرتا. كما اعتبر سقوط "أزنار" في أسبانيا نتيجة للعدوان الذي استهدف قطارات مدريد؟.
في الأساس من السذاجة الاعتقاد بأن التغيير الذي حدث في أسبانيا جاء نتيجة حادث القطار. فالرأي العام الأسباني (من الحزبين الكبيرين الحاكم والمعارض معاً) كان ضد الحرب على العراق وضد مبدأ المشاركة فيها، وكان يتسلح في معارضته بالموقف الديني- الأخلاقي الذي أعلنه البابا يوحنا بولس الثاني من هذه الحرب. لذلك تخلى مؤيدو "أزنار" عنه عندما بدا في إصراره على التحالف مع الرئيس جورج بوش وكأنه يتحدى البابا رأس الكنيسة الكاثوليكية. فالبابا حدد موقف الفاتيكان من الحرب بأنها غير مبررة وغير أخلاقية. وصعّد البابا من حملته ضد الحرب عندما استخدم الرئيس الأميركي عبارة " صليبية جديدة"، فردّ البابا بأنها حرب لا تمتّ إلى الأخلاق المسيحية بصلة.
أما الصورة في أستراليا فمختلفة، حيث لا تتمتع الكنيسة هناك بسلطة معنوية روحية على الرأي العام المتعدد الولاءات الكنسية على خلاف الأمر في أسبانيا حيث الأكثرية المطلقة من الأسبان تدين بالكاثوليكية حصراً. ثم إن المواطن الأسترالي ميال بصورة عامة إلى العلمانية ويحترم فص