كثيرة هي الخطط التي تعدها الدول المختلفة -ومنها الولايات المتحدة- لـ"إصلاح حكوماتها" ولكن معظم تلك الخطط تقليدية الطابع، وتهدف لمعالجة جمود النظام البيروقراطي، وذلك النوع من التجاهل الأرعن للحس السليم الذي يسم إجراءاته التي تمس مصالح السواد الأعظم من الناس. يتطرق "جون لينزوفسكي" في كتابه المعنون "دبلوماسية الطيف الكامل والاستراتيجية الكبرى: إصلاح بنية وثقافة السياسة الخارجية الأميركية" إلى هذه الموضوعات لارتباطها الوثيق بموضوع كتابه، الذي يتخيل فيه بنية حكومية جديدة تماماً يمكن لنتائجها المحتملة أن تمثل -حرفياً- الحد الفاصل بين الحياة والموت بالنسبة للملايين من الأميركيين. وفي بداية الكتاب يفتح "لينزوفسكي" عيون القراء على حقيقة قد تبدو صادمة بالنسبة لكثيرين منهم، تتمثل في أن الولايات المتحدة قد باتت بالفعل -أو أنها ستصبح عما قريب- معرضة لابتزاز نووي، أو لما هو أسوأ من بيرل هاربر نووية! وربما يكون "لينزوفسكي" أقدر من غيره من المؤلفين، على تلمس مواقع الفخاخ المبثوثة في ثنايا السياسة الخارجية الأميركية، والكثير منها -للمفارقة- مزروع من قبل الأميركيين أنفسهم، وطالما جرى استغلالها من قبل كثيرين ممن يناصبون أميركا العداء في مناطق العالم المختلفة. يرجع ذلك لأن أسرته تعرضت للاضطهاد والمعاناة في "جولاجات" ستالين خلال الاحتلال السوفييتي لموطن عائلته الأصلي بولندا، ما دفعها للهرب والاستقرار في الولايات المتحدة حيث ولد. كما يرجع لخلفيته الأكاديمية، فهو حاصل على درجة الدكتوراه في الدراسات الدولية المتقدمة وله العديد من الأبحاث والدراسات القيمة في هذا المجال، ما جعل الرئيس الأسبق ريجان يعينه في منصب كبير مستشاري الشؤون السوفييتية في إدارته، حيث شارك في وضع الخطط التي أدت لإسقاط إمبراطورية الشر (الاتحاد السوفييتي). يقترح "لينزوفسكي" في كتابه الجديد إجراء عملية إعادة تنظيم وهيكلة كاملة، لكافة أفرع وقطاعات وزارة الخارجية على أن يتركز "المركز العصبي" لتلك العملية في "وكالة الدبلوماسية العامة الأميركية"، وهي وكالة ذات أجندة ضخمة لا يمكن لأي جهة من الجهات أن تتجاهلها، وتسهم في تخليق ثقافة ذات نفوذ قوي إلى الدرجة التي تجعله محسوساً داخل وزارة الخارجية، وغيرها من الوكالات ذات العلاقة. ويقترح المؤلف أن يكون مقر هذه الوكالة في وزارة الخارجية -من دون أن تكون جزءاً منها- وأن يتم بقدر المستطاع إبعادها عن الثقافة السائدة في الوزارة، حتى تتمكن من العمل "بقدر أكبر من الكفاءة". والهدف من فصل الوكالة عن بقية أجهزة الوزارة، هو أن بنية الوزارة وآلية صنع السياسات فيها قد تكونت قبل وصول وسائل الإعلام الجماهيري الحديثة، ما يجعل أسلوب الوكالة في العمل غير متماشٍ مع أسلوب ووتيرة الوكالات والأجهزة الأخرى فيها. وبالإضافة إلى تلك الوكالة، وما تلعبه من أدوار، يقترح "لينزوفسكي" أيضاً تعزيز الدبلوماسية الرسمية القائمة على التواصل بين الحكومات، من خلال دبلوماسية جديدة هي الدبلوماسية العامة القائمة على التواصل بين الشعوب. وفي هذا الإطار يقول إنه يتعين العمل على طلب المساعدة من بقية الأميركيين داخل الحكومة وخارجها، وترتيب زيارات للمحاضرين، أو الباحثين في المؤسسات التعليمية، والفنانين المعروفين، وغيرهم من الفئات القادرة على التواصل المباشر مع السكان المحليين في الكثير من البلدان. ومن ضمن المناطق التي يقترح المؤلف استخدام الدبلوماسية العامة فيها منطقة الشرق الأوسط والعالم العربي على وجه الخصوص، التي يقول عنها "إن الكثيرين من الأجانب، خصوصاً في العالم العربي قد استنتجوا من خلال مشاهداتهم لبرامج ومسلسلات التلفزيون وأفلام السينما، أن الولايات المتحدة هي في جوهرها أرض ذات ثقافة سيئة". ويرى المؤلف أن الأسلوب الأمثل لتغيير هذه الأفكار والصور النمطية التي تعكس صورة مغلوطة تماماً عن الولايات المتحدة هي أن يقوم المسؤولون والخبراء السياسيون والمبدعون الأميركيون في كافة المجالات، بزيارة العالم العربي والشرق الأوسط، وإجراء مقابلات مع مجموعات ممثلة لكافة شرائح المجتمع يتم خلالها تصحيح الصور والأفكار المغلوطة، وتبيان أن الملايين من الأميركيين الذين يعيشون في المدن الصغيرة معظمهم متدينون، وبعيدون كل البعد عن تلك العقلية الخليعة المنغمسة في المجون التي يتصف بها منتجو ومخرجو الأفلام السينمائية الهوليودية؟ وفي خاتمة الكتاب، يرى المؤلف أن سياسة الدبلوماسية العامة، لو كانت قد طبقت التطبيق الصحيح لكان من الممكن تلافي الكثير من المآزق والكوارث في مجال الدبلوماسية الأميركية، ومنها على سبيل المثال الهجوم على قنصلية الولايات المتحدة في بنغازي الذي أدى إلى مصرع السفير "كريس ستيفنز". وكان في مقدور الدبلوماسية العامة المساهمة في تلافي كارثة، مثل تلك التي حدثت وتحسين الصورة العامة للولايات المتحدة في مختلف أنحاء العالم. سعيد كامل الكتاب: دبلوماسية الطيف الكامل المؤلف: جون لينزوفسكي الناشر: ليكسنجتون بوكس تاريخ النشر: 2013