لقد أصبح الكومبيوتر المحمول والهواتف الذكية، بمختلف أجيالهما وتحديثاتهما، جزءاً لا يتجزأ من مفردات حياة الإنسان اليوم، في مختلف أنحاء العالم، وخلال العقدين الماضيين عرفت أنماط الحياة الإنسانية تحولاً جذرياً بسبب ذلك، إلى حد جعل الكائن البشري الذي كان يعرف ذات يوم بأنه كائن ناطق، أو كائن عاقل، أو اجتماعي، قابلاً لأن يتم تجديد تعريفه اليوم أيضاً ليوصف بأنه كائن شبكي، أو رقمي، أو فرداً من أفراد مجتمع الإنترت، أو غيرها من أشكال التعاطي مع عالم التقنيات الجديدة. وبقدرما كانت لهذه النقلة الهائلة والانزياح الذهني والعملي في أنماط الحياة الإنسانية إيجابيات كثيرة، كان أيضاً للانتقال من عالم الواقع إلى العالم الافتراضي ثمنه ونتائجه السلبية المتعاظمة. ولعل هذا الجانب الأخير بالذات هو ما يثيره الكتاب الذي نشير هنا بشكل خاطف إلى بعض قصاصاته وخلاصاته، وعنوانه: "القبضة الرقمية: كيف استعمرت الإنترنت والتقنيات الجديدة حياتنا"، وهو من تأليف الكاتب "سدريك بياجيني"، الذي يرى أن التحول التكنولوجي الهائل قد أحدث للجيل الحالي صدعاً عميقاً في أنماط العيش، والتفكير، وفي طريقة فهم الإنسان للعالم واستراتيجيته في تسميته. بل إن هذا التأثير امتد أيضاً إلى نظرة الإنسان إلى نفسه، وأوهامه عنها، وعلاقته مع العالم المحيط به، بل وبغيره من البشر، داخل الأسرة، والمجتمع، وضمن النوع الإنساني بصفة عامة. ولعل أخطر ما ولدته التقنيات الجديدة من أوهام هو ذلك الانطباع الذي تعطيه بامتلاك القوة والسلطة والسطوة الكاملة، من خلال الإيهام بالقدرة على تحقيق قيم وأهداف يحلم بها الناس جميعاً، وبأقل التكاليف، مثل تحقيق الشفافية دون المس بالخصوصية، وإمكانية العيش وراء جدران زجاجية في كل شيء وسهولة التثبت من ذلك بيسر، فالإنترنت مثلاً بمحركاتها وثرائها الهائل تولد الانطباع لدى الفرد بأن كل شيء متاح وقابل للتحقق. ومثل وهْم الاعتقاد بأن العالم الرقمي يتيح للإنسان تحصيل معرفة علمية لانهائية، والوقوف على مختلف أشكال الإنتاج الثقافي والمعرفي، من جميع أنحاء العالم، دون عناء شد الرحال إليها، بحيث إن تحريك فأرة الحاسوب، أو التصفح عبر هاتف موصول بالشبكة، يعوض الإنسان اليوم ما كان الرحالة والباحثون القدامى يقطعون مسافات هائلة للوصول إليه. بمعنى أن الشبكة باتت اليوم تحضر العالم إلى الفرد، بخبراته ومعارفه ومهاراته، دون عناء. ويوهم العالم الرقمي أيضاً بتسهيل العلاقات الإنسانية، لأن شبكات التواصل الاجتماعي، والبريد الإلكتروني، وغرف الدردشة والمحادثة، وسواها تخلق مجتمعاً شبكياً لحظياً، قد يتفاعل فيه الفرد مع الأصدقاء الافتراضيين والغرباء والأباعد، في حين يهمل التواصل مع الأقارب، والأصدقاء الحقيقيين. كما يوهم أيضاً بتحقيق أحلام السرعة، فكل شيء لحظي، وفي وقته الحقيقي، وبإلغاء الحدود والقيود في العلاقات الإنسانية، حيث إن مجتمع مواقع التواصل مثلاً مجتمع كوني عالمي، لا تقيده حدود الزمان والمكان، وهذا ما يجعل بعض نشطاء الشبكة من مختلف الجنسيات والثقافات يستبطنون حلم، أو بالأحرى، وهم إقامة عالم آخر بديل للعالم الواقعي، تنتفي فيه الخلافات والصراعات والتناقضات والتعارضات القائمة اليوم على أسس سياسية أو ثقافية، أو لأسباب الصراع على الموارد. ويذهب الكاتب إلى أن هذا الوهم الأخير الذي لا يخلو من مثالية وطوباوية موغلة في مفارقة الواقع هو الذي يجعل بعض نشطاء الإنترنت يعتقدون أن آلتهم السحرية (الكومبيوتر) تحمل مشروع عالم آخر بديل، يمكن من خلاله حل جميع مشاكل العالم الراهن، وتحقيق كافة أشكال الوفرة والطفرة في القضاء على أشكال العوز والحاجة، وتلبية كافة احتياجات الإنسان. ومثل هذا الاعتقاد المفرط في القدرات السحرية لجهاز الحاسوب يبدو، للمفارقة، شبيهاً باعتقاد النجار التقليدي، أن كل مشكلات العالم يمكن حلها بمطرقة ومجموعة مسامير معدنية! وفي مجتمع عولمي متسم بالسيولة وسيرورة التغير المتدفق في كل شيء يستبطن بعض نشطاء العالم الرقمي أيضاً حالة انفصال أخرى عن الزمن، مثل ثوار اليسار السابق المنقرض، حين يعتقدون بإمكانية حرق المراحل، وتحويل العولمة بكل تعقيداتها إلى نوع من السوق الطوباوية المثالية. وقد ولد هذا اعتقاداً بأن الطوباوية الليبرالية الجديدة في أشد صورها مثالية ولاعقلانية قد رأت أخيراً النور. وبهذه الطريقة يرى الكاتب أن التقنيات الجديدة وأوهام العالم الرقمي تسهم في تفكيك وتبديد منطق الناس ووعيهم بعلاقتهم بالعالم، كما هو لا كما ينبغي أن يكون. وبالنتيجة يعتقد الإنسان الرقمي، إن صحت التسمية، أنه قد حقق أخيراً ذاته وأدرك اكتفاءه، وأصبح في النهاية حراً، من قيود الحاجة والزمان والمكان، في حين أنه قد وقع من حيث لا يشعر في إسار سطوة الآلات الرقمية التي أصبحت تستعمره وتستعمله، وتشكل وعيه، وتكثف أوهامه عن نفسه وعن العالم من حوله. حسن ولد المختار الكتاب: القبضة الرقمية المؤلف: سدريك بياجيني الناشر: إيشابيه الناشر: 2012