تواصل أعمال العنف والفوضى إفساد التحول السياسي في مصر، فأمام العنف المتفشي بسرعة الذي يهدد سلامة المواطنين، ومظاهر التخريب المنفلتة الموجهة ضد مؤسسات الدولة، أعلن الرئيس مرسي فرض حالة الطوارئ، ومعها حظر التجول في مدن بورسعيد والسويس والإسماعيلية، وجاء هذا القرار بعد المواجهات الدامية في بورسعيد التي خلفت 32 قتيلاً على خلفية حكم الإعدام الذي أنزلته المحكمة في حق المتورطين في قتل 74 من مشجعي كرة القدم في المدينة نفسها خلال السنة الماضية. والحقيقة أن استمرار المظاهرات المناهضة للحكومة في شوارع المدن المصرية، وشدة المعارضة التي أبدتها أطراف سياسية للنظام الحالي، ثم المواجهات العنيفة بين المتظاهرين ورجال الشرطة، فضلاً عن انتقال الاضطرابات إلى مناطق أخرى في مصر، يطرح العديد من الأسئلة، ويثير جملة من علامات الاستفهام مثل: من يقف وراء العنف الذي يستهدف المتظاهرين السلميين، ومؤسسات الدولة؟ وما هي أجندة الأشخاص الذين يرمون الزجاجات الحارقة على القصر الرئاسي؟ ثم لماذا هذا العناد، بل محاولات الإعاقة، التي تبديها أطراف سياسية مصرية؟ ولماذا الإصرار مثلاً على تلبية مجموعة من المطالب قبل الدخول في حوار وطني، والتهديد بمقاطعة الانتخابات البرلمانية المقبلة إذا لم يُستجب لحزمة المطالب وإطالة أمد الأزمة؟ وما سبب هذا الغياب لمكونات المجتمع المدني من جمعيات مهنية ومواطنين، وعدم قيامهم بدورهم في طرح مقترحات للخروج من الأزمة السياسية المستفحلة واحتوائها بشكل مناسب؟ قد يكون من الاقتراحات المستعجلة التي يتعين على النظام أخذها في عين الاعتبار الاعتراف بالتكلفة الاقتصادية الباهظة للصراع السياسي والانفلات الأمني الذي تعيش على وقعه البلاد، والحاجة إلى موقف وطني لحل أزمة بحجم الوطن، ويبقى من الحلول المطروحة حالياً تشكيل حكومة وحدة وطنية بعد الانتخابات البرلمانية، لتكون فرصة للنظام لاستعادة صدقيته لدى الشعب، بعد سلسلة من القرارات الخاطئة، وفشله في الوفاء بالوعود التي قطعها أمام الشعب المصري. كما يتعين على النظام أن يحسم أيضاً بشكل واضح ما إذا كان نظاماً لمصر كلها، أم أنه نظام لجماعة "الإخوان المسلمين"، حتى ينهي حالة الاستقطاب الخطيرة التي تقسم مصر اليوم. فإذا كان نظاماً لكل المصريين فعليه إطلاق عملية المصالحة بعيدة النظر، وتنفيس ما تسببت فيه المرحلة الانتقالية الصعبة من احتقان. ولكن الطريقة الوحيدة لإثبات هذا الإدراك هي من خلال مباشرته لإجراءات عملية تؤكد فهمه العميق للديمقراطية بأنها ليست مجرد إجراءات انتخابية، بل هي قبل ذلك بناء التوافق بين المكونات الوطنية المختلفة. فالديمقراطية ليست أبداً تسلط الأغلبية بقدر ما هي حماية حقوق الأقلية. ومن القرارات السياسية المهمة التي من شأنها تبديد انتقادات المعارضة والتخفيف من حدة الأزمة السياسية تشكيل لجنة متنوعة تضم جميع مكونات الطيف السياسي تناط بها مراجعة الدستور على أن تمثل المسؤولين المنتخبين وخبراء القانون والنساء والشباب والكنيسة القبطية بمهمة واضحة هي وضع وثيقة جديدة تعكس بحق مبدأ التوافق الديمقراطي، وتجسد ما جاء في ديباجة الدستور: "نحن شعب مصر". ولا ننسى أن هناك حاجة ملحة لمعالجة مسألة حقوق الإنسان، ذلك أن مصر الجديدة ستقيَّم أولاً وقبل كل شيء على أساس طريقة التعامل مع المواطنين، ولاسيما أن جوهر الديمقراطية إنما يكمن في الحريات الأساسية التي يجب أن ينص عليها الدستور ويحميها القانون، وهي بالفعل أحد المطالب الأساسية التي قامت من أجلها الثورة المصرية عندما رفعت شعار الكرامة. ولعل هذا الملمح بالذات الذي ينص على احترام حقوق الإنسان وصونها هو ما سيميز العلاقة بين الحكم والشعب في مصر الجديدة، ويجعلها مختلفة عما كان سائداً قبل ذلك، عندما كانت تلك العلاقة مختلة لمصلحة الأجهزة الأمنية لما طغى عليها من ممارسات تنتهك حقوق الإنسان، ولاسيما التعذيب الذي كان متفشياً في السابق، بالإضافة إلى غياب ضمانات المحاكمة العادلة. وربما يكون هذا الحرص الشعبي على حقوق الإنسان وعدم التغول عليها هو ما دفع قطاعات واسعة من المصريين للخروج إلى الشوارع احتجاجاً على الإعلان الدستوري الذي أصدره النظام في شهر نوفمبر الماضي، وكاد الأمر يخرج عن السيطرة عندما رفضت الجماهير إعفاء الرئيس لنفسه من مراقبة السلطة القضائية، وهو ما دفع في النهاية للتراجع عن الإعلان وإلغاء بنوده. ولئن كانت المؤسسات الديمقراطية تُبنى تدريجياً وتستغرق بعض الوقت قبل نضجها، فإن الحريات الأساسية تبقى مرتبطة بالممارسة اليومية وتؤثر على المواطن. كما أن الحقوق المدنية حقوق طبيعية لا يمكن انتظار منحها من جهة معينة، وليست الديمقراطية في هذه الحالة سوى البيئة المناسبة التي تسمح بانتعاش حقوق الفرد والحريات الأساسية التي تتيح له التعبير والتنظيم والاحتجاج دون تضييف من السلطة. وعلى عكس مناخ الخوف الذي تشيعه الأنظمة السلطوية، تكرس الديمقراطية أجواء الانفتاح والحقوق. والمؤسف أنه حتى بعد مرور ستة أشهر تقريباً على تنصيب النظام الجديد لا يمكن القول إن مصر دخلت مرحلة الحقوق والحريات الأساسية التي تعتبر ركيزة جوهرية للديمقراطية، إذ ما زالت ترتكب بعض التجاوزات، كما أوضحت ذلك المنظمة المصرية لحقوق الإنسان التي اشتكت من استمرار "الملاحقات القضائية بتهم القذف والتجديف، ومعها انتهاكات الشرطة، مثل التعذيب دون أن يقود ذلك إلى محاكمة الضالعين في تلك الممارسات، هذا فضلاً عن مثول المدنين أمام المحاكم العسكرية".