إن الذي يجعل هدفه الأساسي استغلال أوقات الأزمات لبثِّ أفكاره المتحجرة في المجتمع، وممارسة أرخص أنواع الابتزاز للوصول إلى مراده راكباً ظهور الفوضى التي ظهرت في بعض بلدان ما سمي بـ"الربيع العربي" الذي لم ينتج إلى الآن إلا الاصفرار في الألوان والخزائن. لا يزال العالم العربي بمجمله حبيس الأفكار التي كانت رائجة في القرن الماضي، سواء كانت راديكالية أو يسارية أو قومية، فلا يمكن لأي أمة أو نظام أن يغرس رجله في عمق الماضي المشين للانطلاق بالرجل الأخرى إلى آفاق المستقبل. إن أي تيار يريد الصعود إلى قمة السياسة في وسط هذه الظروف والمتغيرات المتوالية، خاصة ممن يحمل فكراً إقصائياً إلى درجة عدم الاعتراف بأن في الساحة آخرين، سواء سموا بالمعارضين أو المنافسين، ومن غير المتعاونين مع أصحاب الأجندات التي تتخطى مصالح الأوطان إلى تحقيق مصالح فكرية خاصة تحرق الأوطان، وتحيلها إلى رماد تذروه رياح الخلافات التي تذهب بالكل إلى ذات المصير، ففي مثل هذه الصراعات تنتفي معادلة الخسارة أو الربح، أو حتى الهزيمة أو النصر، لأنه ليس بعد ضياع الوطن الجامع لكل أطياف البشر ضياع، وليس لهزيمة الإنسان في أمنه واستقرار حياته هزيمة، فالمال يُعوض، أما مسار الأمن والأمان فلا يشترى ولا يستبدل بأي مقابل آخر لأنهما مربط المجتمعات من الفلتان. فالأفكار والأطروحات والمشاريع التي تودي بحياة الدول وحيويتها لم ولن تخدم أي مشروع تنموي يراد به بناء كيان هذا الإنسان، وهو الحجر الأساسي لرفعة الأوطان، ويكون هذا الإنسان بحد ذاته عقبة أمام تقدم الأوطان لمجرد أن فكراً شمولياً أو طوباوياً يدعي المثالية الصارخة! وليس له قرار في الوطن المستهدف، فهنا تتحول المجتمعات إلى قيعان لا تمسك ماءً، ولا تنبت زرعاً ولا تملأ ضرعاً، فهل يراد في بلدان التغيير السلبي الوصول إلى هذه النتيجة المأساوية؟ الخطورة في ذاتها تكمن في فقدان العالم العربي على وجه العموم لفكر مرن يتعامل مع المتغيرات بحصافة وحكمة وواقعية، فكمية الحماس غير المتزن لتبني مثل هذا الحراك أكبر مما يتحمله المجتمع العربي المليء بالمشكلات المتراكمة منذ عقود، بسبب انعدام المشاريع التنموية التي ترفع من قدر الإنسان، وتجعل منه المساهم الأول في تطوير الأوطان، بدل السعي إلى تدميرها باسم الحرية والعدالة والكرامة والديمقراطية. إن هذه الأسماء الرنانة بحاجة إلى مشاريع واقعية في كافة ميادين الحياة التي لا يمكن لفكر معين إدارتها، ففي الأوطان شركاء من كل الاتجاهات وقيادة سفينة التغيير باتجاه فكر واحد هو الاستبداد بعينه، لأن المصير هو الاصطدام لا محال بصخرة الواقع المرير. فهل ما يجري على الساحة العربية في بلدان التغيير ذاهب نحو شاطئ الأمان، أم أن الشواهد اليومية تدل على أن الحراك الحالي يذهب بالأوطان عكس اتجاه رياح التغيير الحقيقي، فإن لم يقد التغيير فكر مرن يراعي كل المتغيرات الداخلية والخارجية، الإقليمية منها والدولية، فإن أصحاب الأفكار المصرِّين على زيادة جرعة التحجر في تلك المجتمعات يسعون إلى تصدير تلك الأفكار إلى الدول التي ليس لها علاقة لا من قريب ولا من بعيد بما يحدث في ساحة التغيير عندهم، والوقوف ضد ذلك من أوجب الواجبات الوطنية للحفاظ على المكتسبات بدل الانشغال بإفرازات تلك الأفكار التي لا يمكنها أن تمثل أي درجة أو خطوة لإعادة الاستقرار إلى تلك الدول التي صفقت شعوبها لسقوط أنظمتها وتتراجع الآن، وتحلم بالعيش فيما كان ولا تفكر فيما هو آت.