في عام 1807 كانت تومبكتو شبيهة بلندن وباريس في عصرنا الحاضر. وكانت إحدى كبريات مراكز العلوم. فقد اشتهرت بمكتباتها الغنية التي كانت تستقطب العلماء والباحثين حتى من أوروبا بالذات. وعلى رغم الاجتياحات والحروب والحرائق التي أتت على كثير منها، لا يزال هناك حتى اليوم كثير أيضاً. فالمخطوطات في المدينة التاريخية العريقة تعتبر من أغنى المخطوطات الإسلامية والعربية. وقد تعرضت هذه البقية من الثروة العلمية والثقافية إلى إحراق متعمد على يد شرذمة من الجهلة والإرهابيين الذين يدّعون الدفاع عن الإسلام خلال الاضطرابات العنيفة التي اجتاحت مالي مؤخراً. ففي العصر العلمي الذهبي لتومبكتو زارها باحثاً طبيب إيرلندي يدعى الدكتور جون كوكس. وخلال زيارته أصيب بمرض أقعده لفترة طويلة. فاستضافه أحد أمراء المدينة يدعى الأمير عبدالرحمن في منزله حيث أقام عنده طوال فترة مرضه وحظي خلالها برعاية الأمير وبالعلاجات الطبية التي قدمت إليه وأنقذت حياته. وبعد شفاء الدكتور كوكس، عاد إلى إيرلندا شاكراً الأمير على رعايته وعنايته. ومرت السنوات وحصل صراع بين إيرلندا وبريطانيا، حيث حلت المجاعة في إيرلندا، مما حمل الإيرلنديين الكاثوليك على العيش على البطاطا نتيجة الحصار البريطاني- الإنجليكاني الخانق. وهو ما يعرف تاريخياً بثورة البطاطا. وخلال هذه المحنة الطويلة هاجر الدكتور كوكس هرباً من المعاناة والحرمان إلى الولايات المتحدة واستقر في ولاية ميسيسيبي. وبعد عدة سنوات من هجرته، وفيما كان (الدكتور كوكس) يتجول في أحد أسواق مدينة جاكسون، التقى مصادفة الأمير عبدالرحمن. كان الأمير مستعبداً، وكانت عصابات استرقاق السود التي قدمت من أوروبا وأميركا قد "اصطادته" وباعته في سوق النخاسة إلى أحد الأثرياء الأميركيين. وشاءت المصادفة أن يلتقي الدكتور كوكس الأمير -المستعبد- عبدالرحمن في السوق وهو يحمل المشتريات لمالكه "سيده" الأميركي. فوجئ الدكتور كوكس بما آلت إليه حال الأمير الذي يدين له بالفضل في شفائه من مرضه، وبعودته سالماً إلى وطنه. وحاول أن يُخلصه، فعرض على "مالكه" شراءه بأي مبلغ من المال، غير أن المالك أصر على الرفض لأنه كان رجلاً ميسوراً لا ينقصه المال، ولم يكن يريد التخلي عن عبدالرحمن لأنه "عبد" مثقف. عجز الدكتور كوكس عن تقديم المساعدة فتخلى عن الأمر بحسرة، إلا أنه استمر على التواصل معه سراً وتزويده بالمال لتمكينه من تدبير أمور هربه. وبالفعل تمكن الأمير بعد سنوات من الفرار ومن العودة إلى دياره، ولكنه لم يعش بعد ذلك أكثر من سنتين أو ثلاث. ولا يزال المتحف الوطني الأميركي في مدينة جاكسون في ولاية ميسيسيبي بالولايات المتحدة يحتفظ بوثائق استعباد الأمير عبدالرحمن! واليوم تحولت كل تومبكتو إلى حال الأمير عبدالرحمن المستعبد. فقد استعبدها الجهل والفقر. واستعبدها الإرهاب. ثم استعبدها الصراع المسلح بين عصابات ترفع شعارات تحرير أو شعارات دينية، منها "القاعدة" في المغرب العربي، و"حركة التوحيد والجهاد في غرب أفريقيا"، و"حركة تحرير أزواد"، وثوار الطوارق، وحركة "أنصار الدين"، وهي حركة سلفية مسلحة. وحركة "الموقعون بالدم". لقد توقفت عصابات اصطياد الأفارقة واستعبادهم عن العمل منذ القرن التاسع عشر. وحلت محلها، عصابات تهريب المخدرات من دول أميركا الجنوبية بحراً إلى شواطئ غينيا- بيساو على المحيط الأطلسي، ومن هناك عبر صحراء مالي إلى شاطئ المتوسط، ومنه بحراً إلى أوروبا. وكما كانت عصابات اصطياد الأفارقة تتصارع فيما بينها، كذلك فإن تجار المخدرات اتخذوا مسرحاً لصراعهم في مالي والنيجر. وقد ساعدت على ذلك الأوضاع المتهالكة في المنطقة، ولجوء العصابات المسلحة إلى الصحراء الواسعة، ليس كممر فقط، وإنما كملجأ أيضاً. وهكذا تحولت مالي إلى "طريق الحرير" لتهريب المخدرات من غينيا- بيساو إلى السواحل الجنوبية للمتوسط.. وبالتالي إلى موطن لعصابات التهريب. اختلط دور هذه العصابات بالأبعاد السياسية والاجتماعية المحلية. فعلى الصعيد السياسي هناك صراع عنصري بين الأزواد والأفارقة. وبين الأفارقة والعرب. وعلى الصعيد الاجتماعي هناك بطالة هي الأعلى في العالم. وهناك فقر هو الأسوأ في العالم، ثم هناك سلاح هو الأغزر في العالم، خاصة بعد سقوط نظام القذافي في عام 2011 واستباحة مخازن السلاح إثر الفوضى التي عمت ليبيا. في الأساس خرج "الجهاديون" من أفغانستان من دون أن يتلقفهم مشروع استيعابي أمني أو اجتماعي. فدفعت عدة دول ثمن عدم وجود هذا المشروع، ومنها دول عدة في شمال أفريقيا، وكان الثمن غالياً من الأعمال الإرهابية. انتصرت الدول على "الجهاديين" الذين تحولوا إلى إرهابيين، ولكنها لم تقضِ عليهم، فلجأوا إلى الصحراء المالية يحتمون باتساعها وبارتفاع حرارتها ويستقوون بالفارين من الحروب الأهلية الإفريقية. وبعد مقتل محمد يوسف زعيم حركة بوكو حرام (أي تحريم التعليم الغربي) النيجيرية، انتقل كثير من أنصار تلك الحركة إلى النيجر وتشاد والكاميرون. وعرفت موريتانيا عدة عمليات اختطاف وقتل، كما عرف المرتكبون طريقهم إلى السنغال ومالي، حيث الملجأ الطبيعي الحصين. فالمنطقة الأفريقية كلها تمر في حالة من عدم الاستقرار، حتى أن فرنسا التي قادت عملية التدخل في مالي متواجدة عسكرياً في تشاد منذ 45 سنة! وقد تدخلت عسكرياً في عام 2011 في ساحل العاج، كما تدخلت بريطانيا في عام 2000 في سيراليون. وهناك صراعات دينية في إثيوبيا بين المسيحيين والمسلمين الذين يزيد عددهم على 28 مليوناً من أصل عدد سكانها الذي يبلغ 85 مليوناً؛ كما أن هناك صراعاً مماثلاً في كينيا وتنزانيا، حيث يطالب المسلمون بالحكم الذاتي. أما عن الصومال فحدث ولا حرج. فقد تحولت، بعد سقوط السلطة الشرعية فيها، من القرصنة إلى مصدر للمقاتلين إلى الجبهات الأخرى! لقد أنفقت الولايات المتحدة في "حربها" على الإرهاب ما يزيد على 1,5 تريليون دولار. وذهب ضحية تلك الحرب مئات الآلاف من الضحايا، بل أكثر من مليون ضحية، وها هي الحملة العسكرية الفرنسية في مالي تؤكد أن الحرب لم تقضِ على الإرهاب. ومن هنا ترتفع علامة الاستفهام الكبيرة: هل تجمع "الإرهابيين" في الصحراء هو تجمع "الملاذ الأخير".. أم أنه تجمع "التحفز لانطلاقة جديدة"؟ لا تريد فرنسا أن تغرق في رمال الصحراء، كما غرقت في الخمسينيات من القرن الماضي في وحول الهند- الصينية (فيتنام). ولكن لفرنسا ستة آلاف مواطن يعيشون في مالي. ولها مصالح نفطية مهمة في المنطقة، ثم إن لها حضوراً استعمارياً تاريخياً فيها. ولذلك تحملت عبء المبادرة في شن الحرب بواسطة 1500 جندي. وهي التي تعاني صعوبات اقتصادية خانقة. صحيح أن الولايات المتحدة دعمتها، ولكن بثمن، حتى أن الإدارة الأميركية طالبت فرنسا بدفع نفقات استخدام طائرة النقل العسكرية الأميركية الضخمة (س 70)، الأمر الذي ما كانت الحكومة الفرنسية تتوقعه، بل إنها ما كانت تتوقع أن يقف حلف شمال الأطلسي وحتى الاتحاد الأوروبي مصفقاً ومؤيداً، ولكن من بعيد لبعيد! عندما زار مدينة تومبكتو بعد تحريرها من العصابات المسلحة، وقف "أولاند" أمام بعض المخطوطات العربية- الإسلامية التي نجت من براثن العصابات المسلحة، ومن عمليات القصف والحرق التي أتت على بعضها، وكأنه يبحث بين صفحاتها المهترئة عن الأمير عبدالرحمن، أو عن سيرته مع الطبيب الإيرلندي الدكتور كوكس. ولكنه لم يجد على ما يبدو سوى خرائط لمواقع آبار وأنابيب النفط، وصور الملايين من الأفارقة الذين يعيشون "كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ... والماء فوق ظهورها محمول"!