التنافسية الأميركية في الاقتصاد العالمي آخذة في التراجع؛ حيث يشير التقرير السنوي حول التنافسية في العالم الصادر عن المعهد الدولي لتطوير الإدارة إلى أن الولايات المتحدة تراجعت من مرتبتها الأولى، بسبب انخفاض دراماتيكي في ترتيبها بخصوص الكفاءة الحكومية بالأساس. التقرير يقول إن الولايات المتحدة تراجعت من المرتبة الخامسة في 2002 إلى المرتبة الثانية والعشرين اليوم (2013). كما يصنف تقرير التنافسية العالمية الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي الولايات المتحدة في المرتبة السابعة، بعد أن كانت في المرتبة الأولى في 2007. وإذا لم يكن هذا مثيراً للقلق بما يكفي، فإن 71 في المئة من أصل أكثر من 10 آلاف خريج من كلية التجارة في "هارفارد" يتوقعون أن تتراجع تنافسية الولايات المتحدة خلال السنوات الثلاث المقبلة. وإضافة إلى ذلك، فقد احتلت الولايات المتحدة المرتبة الرابعة بخصوص سهولة القيام بالأعمال والمشاريع التجارية ضمن تقرير جاذبية مناخ الأعمال والمشاريع الصادر عن البنك الدولي. كما صنفت مؤسسة تكنولوجيا المعلومات والابتكار الولايات المتحدة في المرتبة ما قبل الأخيرة بخصوص وتيرة التقدم بخصوص التنافسية المبنية على الابتكار منذ 2000، متقدمة على إيطاليا فقط. غير أن ثمة بعض الأخبار السارة، وتتعلق بقطاع الصناعة الأميركي. فحتى الأمس القريب، كان هذا القطاع في تراجع مضطرد؛ أما اليوم، فتشير العديد من المؤشرات إلى أن أميركا باتت اليوم وسط انتعاش تاريخي لقطاع الصناعة. غير أن المصنعين يواجهون أيضا نقصاً في المهارات، لأن العمال غير مستعدين لسد احتياجات هذا القطاع المتزايد. ولذلك، فإن إعداد يد عاملة ماهرة من أجل المستقبل ينبغي أن يشكل واحدة من أولى أولويات إدارة أوباما الاقتصادية، لأن تطوير مخطط طويل المدى لتدريب العمال على وظائف صناعية جديدة أساسي ومهم من أجل دعم وتقوية التنافسية الأميركية. وهناك عدد من الأسباب التي تفسر النمو الذي تعرفه الصناعة الأميركية اليوم، ولكن أحد التفسيرات الرئيسية يتمثل في حقيقة أن ترحيل الوظائف إلى بلدان منخفضة الكلفة لم يعد مغرياً مثلما كان عليه الحال في الماضي. فمع ارتفاع تكلفة العمالة والنقل في العديد من البلدان، أخذت الشركات الأميركية تعيد الوظائف إلى الولايات المتحدة، وأصبحت الشركات الأجنبية أكثر انجذاباً إلى قاعدة أميركية تنافسية من حيث التكلفة أيضاً. وعلاوة على ذلك، فإن هبة الغاز الطبيعي ستسهم في جعل تكاليف الطاقة الأميركية من بين الأكثر انخفاضاً في العالم. أضف إلى ذلك مزايا ازدياد جودة السلع المصنعة وقدرات الابتكار والتجديد الحديثة، الأمر الذي يزيد من احتمالات استعادة الولايات المتحدة لزعامتها التاريخية في قطاع الصناعة المتطورة. وفي هذا الإطار، تشير دراسة حديثة لمجموعة "بوسطن كونسلتنج جروب" إلى أن الولايات المتحدة في طريقها نحو استعادة مكانتها كقطب صناعي عالمي، ما يشير إلى أن صحوة القطاع الصناعي، إضافة إلى ارتفاع الصادرات الأميركية يمكن أن يخلقا ما بين 2?5 مليون و5 ملايين وظيفة بنهاية هذا العقد. ولكن مواجهة تحديات "صحوة القطاع الصناعي"، تعني سد نقص المهارات من خلال مزيد من الاستثمار في التعليم والتدريب. وفي يوليو 2012 اقترحت لجنة من مجلس مستشاري الرئيس في العلوم والتكنولوجيا ثلاث توصيات من أجل دعم الصناعة المتطورة. فدعت هذه اللجنة المختلطة، المؤلفة من زعماء الشركات وأكاديميين وعلماء، أوباما إلى الوفاء بوعده بخلق "اقتصاد مصمم ليدوم" عبر "تشجيع الابتكار"، و"تأمين إمدادات المواهب والمهارات"، و"تحسين مناخ الأعمال". ومن أجل بناء المواهب وجذبها والحفاظ عليها، يوصي التقرير بحملة إعلانية لتشجيع الصناعة باعتبارها مساراً مهنياً جذاباً. كما تقترح البناء على مهارات قدماء المحاربين العائدين إلى الوطن، والاستثمار في كليات ومعاهد التدريب المهني والصناعي، وخلق شراكات بين قطاع الصناعة وهذه الكليات، إضافة إلى تشجيع برامج الزمالة والدورات التدريبية في مجال الصناعة. وهذه كلها خطوات أساسية دون شك، غير أنه ينبغي على صناع السياسات وقطاع الصناعة أيضاً أن يشجعوا العمال على إعادة تركيز اختياراتهم المهنية في اتجاه صناعة قائمة على المعرفة وذات قيمة إضافية عالية. كما يتعين على أميركا أن تدعم مناهجها التعليمية في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات. على أن يعزَّز ذلك بمزيد من التدريب التقني خلال التعليم الثانوي وبعده. كما يتعين على الولايات المتحدة أن تستثمر في خفض معدلات انقطاع الطلبة عن الدراسة والاستمرار في العمل لتحسين جودة تعليم المدارس الثانوية. ورغم حقيقة أن أكثر من نصف الجامعات المئة الأولى في العالم هي أميركية (و8 منها من بين العشر الأوائل في العالم)، إلا أن خريجي المدارس الثانوية الأميركية يحتلون مراتب متأخرة في نتائج الاختبارات الدولية؛ حيث احتل أميركيون في سن الخامسة عشرة المرتبةَ الخامسة والعشرين في الرياضيات؛ والمرتبة الرابعة عشرة في القراءة، والمرتبة السابعة عشرة في العلوم (من أصل 34 بلداً) على ترتيب برنامج "تقييم الطالب الدولي" التابع لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية". والأكيد أنه مع نتائج مثل هذه لا يمكن لأي رئيس أميركي أن ينام قرير العين. ولما كان العديد من الخبراء يعترفون بأن الصناعة المتطورة هي أفضل رهان لخلق وظائف عالية الأجر، وذات المزايا الإضافية المتمثلة في المساهمة في الابتكار وتقليص العجز التجاري الأميركي، فإنه حري بأوباما أن يتبع نصيحة مجلسه، وذلك لأن التعليم والتدريب أساسيان لتوفير يد عاملة ماهرة تضمن نمواً مستديماً على المدى الطويل، واستعادة الزعامة الأميركية في مؤشرات التنافسية العالمية. سوزان روسليه زميلة كلية التجارة بالمعهد الدولي لتطوير الإدارة في لوزان - سويسرا ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"