مع أن حكومة نتنياهو الجديدة قيد التشكيل ينتظرها مزيد من العزلة الدولية، نجدها تقوم هي نفسها بعزل نفسها داخل أسوار جدار الفصل العنصري متمسكة بعقليتها الاحتلالية الاستعمارية/ «الاستيطانية» ورفضها للآخر. وبعد مقالنا الأسبوع الماضي عن عزلة إسرائيل الدولية، تظهر أيضاً معالم عزلتها الداخلية التي بدأت تتنامى ليس من المعارضة الإسرائيلية فقط، أو من متشددي اليمين، أو من السفراء الإسرائيليين حول العالم، بل أيضاً من داخل الدائرة الحاكمة ذاتها. وتؤشر نتائج الانتخابات الأخيرة إلى أن الإسرائيليين عاقبوا نتنياهو على صم آذانه عن سماع الرأي الآخر، الداخلي والخارجي، الذي طالما كان داعماً رئيساً للدولة الصهيونية. ويقول "إليكيم هعتسني" في مقال بعنوان "إضاعة البيت": "يبحثون في الليكود عن السبب الذي جعلهم يبلغون إلى شفا إضاعة الحكم. إن رئيس الوزراء بث الكثير من الوعود المتناقضة ولم يفِ بها إلى أن يئس المحبون والأعداء معاً من حل لغز من أنتَ يا نتنياهو". ويضيف: "لو أنهم فحصوا حقاً وبصدق عما جعل الليكود يخسر أكثر النواب، وأين ذهبوا، لتوصلوا سريعاً إلى صيغة الدولتين عند نتنياهو. كان يجب على سياسي مثل نتنياهو أن يعلم بأنه سيحتاج إلى دفع ثمن عن ذلك. وربما علم، ولهذا أسرع في محاولة إلى سبق الداء بالدواء بالانضمام إلى قائمة حزب ليبرمان". أما "آري شبيط" فيقول: "إن نتائج الانتخابات هي قبل كل شيء نتائج شخصية لأن أحد المرشحين (نتنياهو) فشل فشلًا ذريعاً.. نجح الليكود- بيتنا في أن يهزم نفسه بواسطة حزب «يوجد مستقبل» وجعل حكمه الذي لا منازع فيه تاريخاً". ويضيف: "انقضت ملكية الملك بيبي القصيرة. وانتهت الرحلة الحمقاء لليمين إلى يمين اليمين، وبدأت رحلة اليمين الجديدة إلى الوسط.. فالتمرد هو تمرد مدهش لإسرائيل المستنيرة على إسرائيل الظلامية". وفي سياق حصار/ عزلة نتنياهو وحكومته، اثنان من رؤساء الوزراء الإسرائيليين السابقين، وهما أولمرت وباراك، يتفقان على أن سياسات الحكومة تضع إسرائيل على الطريق نحو نظام التمييز العنصري "الأبارتايد". أما بيريز فتناول سياسة نتنياهو، متوقعاً "تسببها في انتهاء حالة الهدوء التي تنعم بها إسرائيل". وأضاف بيريز، في حوار مطول مع صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية: "إن فكرة، أن التاريخ هو فرس يمكن إمساكه من ذيله، هي فكرة غبية.. وبعد كل شيء، فإن النار يمكن إضرامها في لحظة: كلمة أخرى ورصاصة أخرى، وفي النهاية سوف يفقد الجميع السيطرة على الوضع.. وإذا لم يكن هناك قرار دبلوماسي، فإن الفلسطينيين سيعودون للعمليات المسلحة". وختم: "العالم سيؤيد الفلسطينيين، وسيبرر أعمالهم موجهاً أشد الانتقادات لنا، وسيصفوننا (خطأ) بأننا دولة عنصرية". من جانبها، ركزت رئيسة حزب "الحركة" تسيبي ليفني على عزلة إسرائيل في عهد نتنياهو، حيث اعتبرت أن تصريحات أوباما الأخيرة "بمثابة جرس إنذار لجميع الإسرائيليين ليفيقوا من سباتهم". ومن جهتها تحدثت زعيمة حزب "ميرتس" اليساري زهافه جالؤون: "عن قلق الإسرائيليين من رفض نتنياهو قراءة العنوان على الحائط، وهو أنه من دون حل الدولتين لن تبقى دولة إسرائيل". وإن كان هذا الموقف متوقعاً من أبرز رموز المعارضة الرافضة لسياسات نتنياهو، فقد كان من اللافت تعرض نتنياهو لانتقادات من داخل أحزاب متشددة، حيث نقلت صحيفة "معاريف" عن نفتالي بينيت مدير مكتب نتنياهو السابق/ رئيس التحالف اليميني المتطرف قوله، إن "تصريحات نتنياهو حول البناء في «إي1» تؤدي إلى غضب العالم". وقال "بينيت" الذي يرفض قيام دولة فلسطينية، إن "حقيقة أنه تمت المصادقة على البناء في «إي1» قبل عدة سنوات، ونتوقع الآن جولة ثانية وثالثة من الاحتفال بالبناء في هذه المنطقة، بينما في الواقع لا يتم بناء أي بيت، هو تناقض لا مثيل له. ومن الجهة الأخرى، نكسب غضب العالم علينا في كل مرة نصرح فيها عن بناء في المكان بدلاً من البناء في القدس وفي كل مكان في (البلاد)". واعتبر "بينيت" أن "المشكلة ليست في المستوطنات، وإنما في الحديث عن البناء. فمن جهة تعبر الحكومة عن تأييدها لدولة فلسطينية، ومن الجهة الأخرى تعاقب العالم والفلسطينيين، عندما يتوجهون إلى الأمم المتحدة من أجل الحصول على مكانة دولة. الحل هو بالحديث بصوت واضح والتراجع عن الموافقة على دولة فلسطينية التي أصبح الجميع يدرك أنها لن تقوم، وينبغي القيام بأفعال أكثر والتحدث أقل". وفي سياق متمم، ذكرت صحيفة "يديعوت أحرنوت" الإسرائيلية تفاصيل جلسة عقدت في القدس المحتلة بمشاركة رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي "يعقوب بن درور" سأل خلالها سفير إسرائيل في الأمم المتحدة رون بروساور عن المنطق في توقيت اتخاذ قرار دفع مخططات البناء في "إي1" بعد قبول فلسطين في الأمم المتحدة وحصولها على لقب دولة مراقبة غير كاملة العضوية، وقام بقية السفراء بالتصفيق له بعد طرحه هذا التساؤل. ورد بن درور قائلاً: "إذا كانت سياسة الحكومة لا تناسبكم، فإما أن تتوجهوا إلى الحياة السياسية الحزبية أو تستقيلوا". وتابع: "لا أعتقد أنه حدث تصفيق بوزارة الخارجية البريطانية على أثر سؤال يلمح إلى انتقاد ضد سياسة الحكومة، ولم يحدث في وزارة الخارجية الأميركية أن تم التصفيق بعد سؤال يلمح إلى انتقاد لسياسة أوباما". لقد تجسدت العزلة الداخلية لنتنياهو وحكومته في أن من هاجمهم "من أكثر مواطنيها ولاء ووطنية"، كما يقول رئيس مشروع الشرق الأوسط/ الولايات المتحدة/ الكاتب السياسي اليهودي البارز هنري سيجمان: "ستة من رؤساء جهاز الأمن الإسرائيلي (الشين بيت) السابقين -الجهاز الذي يعتمد عليه أمن إسرائيل ووجودها- وصفوا سياسة نتنياهو بأنها تهدد بقاء إسرائيل بسبب طموحاتها الاستعمارية وعدم اهتمامها بالتوصل إلى اتفاق سلام مع الفلسطينيين". ويختم سيجمان بأن قادة الجيش الإسرائيلي "تمردوا"، عملياً، على سياسات نتنياهو حيث "نقل عنهم أنهم رفضوا تنفيذ طلب من نتنياهو لإعداد هجوم على منشآت إيران النووية، اعتقاداً منهم أن ذلك ستكون له عواقب كارثية على إسرائيل. وسواء كانوا على خطأ أم صواب، نظراً لإجماعهم -والاحتمال الأكبر هو أن يكونوا على صواب- فلا أحد يمكنه التشكيك في وطنية أولئك الجنرالات وقادة الأمن أو في دوافعهم. فقد وثقت فيهم الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، واعتمدت على تقييماتهم لضمان بقاء إسرائيل". فأي عزلة داخلية لنتنياهو وسياساته أفدح من هذه؟!