يسلط كتاب «الربيع العربي في مصر: الثورة وما بعدها» الضوء على ثورة 25 يناير 2011، واضعاً بين يدي القارئ أدوات لفهم أسباب الاحتجاج من خلال إلقاء نظرة شاملة على التغييرات التي حدثت في المجتمع المصري. الكتاب الذي أعده، وأصدره مركز دراسات الوحدة العربية، أشرف على تحريره د. بهجت قرني، أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة الأميركية بالقاهرة، وشارك فيه مجموعة من الأكاديميين والمتخصصين، وصل عدهم 11 باحثاً، من بينهم رباب المهدي ونادين سيكا ودينا شحاتة وحازم قنديل وأوشا ناترجان وجمال عبد الجواد سلطان وجاويد مسعود، شيلا كاربيكو و"إن إم ليش".. وفي الفصل الأول، الذي حمل عنوان «السلطوية: ما مدى تسلطها؟»، أشار د. بهجت قرني إلى أن محتوى الكتاب يهدف إلى سد النقص المعرفي في أدبيات علم السياسة، خاصة التي تتطرق إلى منطقة الشرق الأوسط، والتي تتعامل مع السياسة "من أعلى" المرتبطة بالمؤسسات، وذلك على حساب استبعاد السياسة من أسفل الخاصة بالتفاعلات غير الرسمية. ويرى قرني أن ثمة مفاهيم خاطئة لدى علماء السياسة الذين يدرسون الشرق الأوسط، من بين هذه المفاهيم التركيز على النخبة السياسية، ويلوم قرني تحليل المشهد، أو وصفه بأنه "ثورة فيسبوك" أو أنها ثورة شباب فقط دون الأخذ في الحسبان السياق المجتمعي الذي سبقها، ويحدد سياقها. وتطرق الكتاب إلى الحركات الاجتماعية الجديدة التي دعت قبل أيام من أحداث 25 يناير إلى التظاهر ضد الفقر والقمع والسلطوية، ولم تنجح الثورة، إلا إذا استطاعت الحركات الاجتماعية الجديدة نشر خطابها المدني في المجتمع، وهذا يمكن تحقيقه من خلال التأثير في كتابة الدستور، حتى يتم الالتزام بالحريات السياسية والدينية المنوطة بها، واكتساب مناصب في الوظائف العامة ووسائل الإعلام. وسلّط الكتاب الضوء على دور الشباب، باعتباره وحدة تحليل أساسية لرصد ما جرى في مصر، أو على الأقل يستحق تسليط الضوء عليه، خاصة في ظل ظاهرة "الانتفاخ"، أو"البروز الشبابي" التي تشهدها المنطقة العربية. وضمن هذا الإطار، وبخصوص الحالة المصرية، فإن الشباب يمثلون قرابة ثلث إجمالي السكان في مصر، ومع ذلك فقد تعرض الشباب المصري لشتى أنواع الإقصاء، وهذا نتيجة مستوى مرتفع من البطالة، ينجم عنه تبعات ضارة تتعلق بالقدرة على تكوين الأسرة والعيش حياة طبيعية، بدلاً من الإقصاء الاجتماعي والسياسي. وفي الفصل الرابع، نوّهت الباحثة دينا شحاتة إلى أربعة مراحل للحراك الشبابي في مصر: الأولى خلال الفترة من 2000 إلى 2003، وتم التركيز خلالها على قضايا خارجية، كالانتفاضة الفلسطينية والحرب على العراق. المرحلة الثانية من 2004 إلى 2006. وفيها انتقل الحراك الشبابي نحو قضايا التغيير الدستوري والسياسي المحلي، وعبرت عن ذلك حركات مستقلة، مثل شباب من أجل التغيير. المرحلة الثالثة من 2006 إلى 2009 ، وشهدت انشقاق النشطاء الشباب عن النشطاء الأكبر سناً وظهرت حركات تربط بين القضايا الاجتماعية والقضايا السياسية. المرحلة الرابعة من 2010 إلى الآن، وهذه شهدت عودة القضايا السياسية التي سبقت الانتخابات البرلمانية والرئاسية، وتزايد عدد الشباب المستقل الذين أصبحوا فاعلين في الحملة الشعبية لدعم البرادعي. وترى دينا شحاتة أن الشباب المصري يعاني التهميش جراء الإقصاء السياسي، وضمن هذا الإطار، عرضت الباحثة استطلاع رأي أجراه مجلس السكان، وجاءت نتيجته أن 2 في المئة فقط من الشباب يشاركون في العمل التطوعي، وأن 16 في المئة من الشباب المؤهل شاركوا بالتصويت في انتخابات برلمانية سابقة. كما تم إجراء دراسات على درجة اهتمام الشباب بالانتخابات، وكانت النتيجة أن 67 في المئة فقط لم يشاركوا في أي أنشطة. وتؤكد هانية شلقامي في الفصل السادس من الكتاب أن النساء كن موجودات بكثرة في التظاهرات المصرية، لكن تم تجاهل دورهن، كانعكاس للعقلية التي تميل إلى تهميشهن في المجتمع... وفي الفصل السابع، الذي يحمل عنوان "العودة إلى ظهر الحصان: الجيش بين ثورتين"، توصل حازم قنديل، الأستاذ المساعد في علم الاجتماع السياسي بجامعة كامبردج إلى استنتاج مفاده، أن معادلة القوة إبان عهد مبارك كانت قائمة على هيمنة الأمن وتمتع القيادة السياسية بالجاه والمال، وإبقاء القوات المسلحة بعيدة عن مركز النظام. ويرى قنديل: ليس من المبالغة إذا شبهنا الرئاسة والحزب الحاكم - إبان فترة مبارك- بكيانات عاشت لسنين على ظهر هذا الوحش الأمني. ويقول قنديل: رغم المصالح الموضوعية للمؤسسة العسكرية التي تقتضي تفكيك جهاز أمني طالما استخدم لتقليص النفوذ السياسي للقوات المسلحة، فإن هذه المصالح الموضوعية لا تتعارض بالضرورة مع الديمقراطية. ويستنتج أن خشية المجلس العسكري من إضعاف السيطرة الأمنية في مجتمع مضطرب دفعه إلى التراجع عن تأييد الثورة، حرصاً على الاستقرار. ويتوقع قنديل أن المواطنين المصريين والضباط سيدفعون ثمن إحجام المجلس الأعلى عن تفكيك المؤسسة الأمنية وإعادة هيكلتها، وهي نهاية مؤسفة حقاً. وعن دور الوسائط الجديدة، توصل الكتاب إلى قناعة بأنها أشبه بكرة الثلج، بسبب تأثيرها في تأجيج الثورة، وذلك لأن عدد مستخدمي "فيسبوك" قد ازداد من 4.4 مليون في 2010 إلى 7.5 مليون مستخدم في أبريل 2011، ثم إلى 8 ملايين مستخدم في يونيو 2011. لكن هذه الوسائط الجديدة لم تتسبب في إطاحة النظام، فهي كانت وقود "الربيع العربي" بالتأكيد. طه حسيب الربيع العربي في مصر الثورة وما بعدها د.بهجت قرني الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية تاريخ النشر: 2012