كيف يمكننا أن نفهم بعمق المشهد السياسي الراهن في مصر بما يزخر به من ظواهر متشابكة تختلط فيها الثورة بالفوضى، وتتصارع الاتجاهات السلمية لمظاهرات الشباب مع النوازع الفوضوية التي تؤدي إلى إراقة الدماء، وحيث تتشابك جبهة الإنقاذ الوطني في صراع عنيف مع جماعة «الإخوان المسلمين» والتيارات السلفية؟ هذا مشهد يعكس ساحة معقدة غاية التعقيد، يختلط فيها العقائدي (الليبرالية - الإسلامية) مع السياسي (مشاركة لا مغالبة) مع الأمني (الانفلات الأمني) مع الاقتصادي (تردي الأوضاع الاقتصادية غير المسبوقة) مع الاجتماعي (انهيار مستويات الحياة لدى ملايين المصريين الذين توقفت أعمالهم بفعل الثورة والفوضى). ولو حاولت كباحث في العلم الاجتماعي أن أجد تفسيرات موضوعية لما يحدث في الساحة التي يختلط فيها إلقاء الحجارة و"المولوتوف" على رجال الأمن مع رد فعل الأمن بإطلاق الغازات المسيلة للدموع، بالإضافة إلى محاولة اقتحام قصر الاتحادية وعديد من مقار الوزارات ومديريات الأمن، فربما لا تسعفني المناهج التقليدية. ولذلك فكرت في تطبيق منهج معروف في العلم الاجتماعي المعاصر يطلق عليه منهج "تحليل الخطاب". وبدون أن أدخل في تفاصيل منهجية حول كيفية تطبيق هذا المنهج أكتفي بالقول إنه يمكنني أن أقارب المشهد السياسي الصراعي باعتباره "نصاً" أسعى إلى تفكيكه عن طريق أدوات تحليل الخطاب، ولكنني سأكتفي في هذا المقال الوجيز بأن أذكر أن أحد المبادئ الأساسية لمنهج تحليل الخطاب هو أن المسكوت عنه في النص (أو في ظاهرة الصراع السياسي) قد يكون أبلغ من ظاهر النص. كما أنه يمكن أن يتعمق فهمنا للظاهرة إذا حاولنا أن نعرف ما لم يفكر فيه "الفاعلون المتصارعون في المشهد". ويمكن القول إن "المسكوت عنه" في الصراع السياسي الراهن هو إجماع فصائل الثوار وجبهة الإنقاذ الوطني وما تمثله من أحزاب معارضة على رفض أن يحكم البلاد فصيل سياسي واحد أياً كان اتجاهه. وتشاء الظروف التي خلقتها المرحلة الانتقالية بمشكلاتها وتعثراتها أن الفصيل السياسي الذي فاز في السباق الانتخابي الشكلي، والذي شابته سلبيات متعددة هو جماعة "الإخوان المسلمين" والتيارات السلفية. ومن ثم انصب الرفض المطلق لحكمهم انطلاقاً من المبدأ الذي لم يعلن صراحة وهو رفض استئثار أي فصيل سياسي بحكم مصر. وبعبارة أخرى، هو رغبة عميقة في أن يكون حكم البلاد ائتلافياً تشارك فيه كافة الفصائل والأحزاب السياسية، وفي مقدمتها الائتلافات الثورية التي أحست بأن الثورة قد سرقت منها. ولكن كيف يمكن أن يكون الحكم السياسي للبلاد ائتلافياً بصورة دائمة مع أن الأدوات الدستورية المتاحة لا تخرج عن حدود الانتخابات التقليدية، والتي تفترض وفقاً لقواعد الديمقراطية التمثيلية أن من يحصل على الأغلبية ولو بنسبة 50+1 من حقه أن يحكم منفرداً! هذه هي الإشكالية الكبرى التي لم يفكر فيها أي فصيل سياسي أن يتعرض لها مباشرة، ويحاول على المستوى النظري وباستخدام المنهج المقارن لدراسة أوضاع الدول المختلفة أن يجد حلولاً لها. ووقائع الاستفتاءات الدستورية والانتخابات النيابية وانتخابات رئاسة الجمهورية تؤكد عقم أساليب الديمقراطية التمثيلية في التعبير الحقيقي عن الإرادة الشعبية، لأنها أساساً تعتمد على مؤشرات كمية قاصرة، ولا ترقى إلى مستوى المؤشرات الكيفية المعبرة. ومما يدل على هزال أدوات الديمقراطية التقليدية أن مشروع الدستور الذي لهثت جماعة "الإخوان المسلمين" و التيارات السلفية للانتهاء منه وعرضه سريعاً على الاستفتاء بدون أن تتاح للجماهير على اتساعها مناقشته مناقشة مستفيضة، كان في حد ذاته إجراء غير ديمقراطي! قد يبدو هذا الحكم صادماً لكثيرين، ولكن لو تأملنا الواقع الاجتماعي المصري حيث تبلغ نسبة الأمية 40 في المئة هل يمكن الاطمئنان لمن قالوا "نعم" لهذا الدستور وهم لم يقرأوه أصلاً، وحتى من قالوا "نعم" من المتعلمين فإن أعداداً غفيرة منهم لم تطلع عليه أصلاً! فكيف بالله عليكم الاطمئنان إلى دلالة نسبة الـ 60 في المئة أو ما يقاربها التي قيل إنها تمثل من قالوا "نعم"؟ ولو نظرنا إلى الانتخابات الرئاسية ونتائجها لوجدنا أن الرئيس الدكتور محمد مرسي لم يحصل إلا على نسبة 50 في المئة تقريباً ممن صوتوا في حين أن الـ 50 في المئة الباقية ذهبت إلى منافسة أحمد شفيق ولكن طبقاً لقواعد الديمقراطية التقليدية الشكلية اعتبر مرسي فائزاً بفارق عدة آلاف من الأصوات! ومعنى ذلك أنه موضوعياً لا يمثل غالبية الشعب المصري. ومن هنا نؤكد أن "المسكوت عنه" في الصراع السياسي الراهن هو اتجاه أغلبية الشعب إلى رفض استئثار فصيل سياسي واحد أياً كان اتجاهه بحكم البلاد، ولكن بدون تفكير منهجي عن القوالب الدستورية المناسبة لوضع هذا الاتجاه في صورة مؤسسية تضمن له الاستمرار بلا صراعات سياسية عقيمة بين الأطراف المختلفة. وننتقل الآن إلى فكرتنا الثانية في تحليل خطاب الصراع السياسي الراهن وهي أن "ما لم تفكر فيه" أطراف الصراع جميعاً هو الرفض المطلق لصيغة الديمقراطية التمثيلية التقليدية بسلبياتها التي أشرنا إليها، وتبني صيغة ديمقراطية بديلة، وأكثر قدرة على تمثيل الإرادة الشعبية. وما لم تفكر فيه أطراف الصراع السياسي -نظراً لانغماسها في التنافس على مقاعد السلطة وامتيازات الحكم من ناحية وعجز النخبة السياسية جميعاً عن التجدد المعرفي وملاحقة تطورات النظرية الديمقراطية المعاصرة من ناحية أخرى- هو أن هناك صورة بازغة من الديمقراطية تحاول بصعوبة بالغة أن تشق طريقها لتحل محل الديمقراطية التقليدية ويطلق عليها ديمقراطية المشاركة participatory Democracy. وأعترف بأن تجارب هذه الديمقراطية الوليدة ما زالت في بدايتها وأنها تخضع للتجريب في بلاد متعددة، ولكننا نعتقد أن فتح باب النقاش من حولها ومحاولة إبداع نماذج مصرية لها ضرورة لازمة، لأنها هي وليس غيرها التي ستعبر تعبيراً حقيقياً عن مطامح وآمال شباب ثورة 25 يناير، الذين ضحت طلائعهم بحياتها في سبيل الثورة. ولكن، ما هي هذه المطامح والآمال؟ هي -بكل بساطة- أن يشاركوا في الحكم وتقرير مصير البلاد، لأن الشباب في مصر يمثلون 60 في المئة من السكان، أي أنهم هم الذين ينبغي أن يرسموا خطوط المستقبل. ولكن كيف والديمقراطية التقليدية لا تتيح لهم إطلاقاً أن يصلوا إلى مقاعد مجلس النواب؟ لقد فكرت مرة بعد تأمل نتيجة مجلس الشورى الأخيرة، التي لم يقبل على انتخاباتها إلا حوالى 10 في المئة من الناخبين، أن النتيجة في الواقع كانت استفتاء شعبياً على رفضه لعدم اقتناع الجماهير به وبدوره مع أن الدستور أناط به -للأسف الشديد- مهمة التشريع مع أن أعضاءه غير مؤهلين لهذه المهمة الصعبة. كان رأيي إلغاء مجلس الشورى وتشكيل ما أطلق عليه "المجلس الأعلى للتخطيط الاستراتيجي" يكون أعضاؤه بالتعيين ويضم ممثلين لعلماء وخبراء مصر في كافة التخصصات، بالإضافة إلى تمثيل جيد ومعبر للائتلافات الثورية ومؤسسات المجتمع المدني والنقابات المهنية والعمالية واتحادات الأدباء وروابط المثقفين وتكون مهمتهم وضع رؤية استراتيجية لمصر، وأعني بذلك وضع سياسات مصر في السنوات العشرين القادمة. اقتراح متواضع نعتبره خطوة في الانتقال الضروري إلى ديمقراطية المشاركة!