الجميع استمع إلى ما قاله صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله خلال «القمة الحكومية» الأولى منذ يومين، لكنني لا زلت أتساءل منذ كنت استمع إلى الشيخ محمد بن راشد وهو يتكلم وحتى لحظة كتابتي لهذه الكلمات، لماذا شارك الشيخ محمد بن راشد في هذه القمة بهذا الحوار المفتوح؟ هل أراد سموه الذي يعشق التحدي أن يضع نفسه وفريقه ووزراءه أمام تحد جديد وكبير بعد أن استعرض إنجازات الحكومة وكشف عن طريقة عملها أمام الجميع. وعندما قال إنه ليس هناك خط نهاية للطموح، ومن يريد أن يتميز عليه أن يستمر في العمل دائماً ولا يتوقف... وبالتالي رفع سقف التوقعات من حكومته لدى المواطن، ولدى من يتابع التجربة الإماراتية من الخارج؟ مجرد تساؤل. ساعتان قضاهما الشيخ محمد بن راشد، على المنصة واقفاً يجيب على ثلاثين سؤالًا وجهها له مواطنون وموظفون حكوميون ومقيمون عرب وزائرون للبلد. إجابات لم تخلُ من الصراحة والشفافية، وتميزت بالعفوية والبساطة، وكانت مدعمة بالأرقام والبيانات، غلفها سموه بالتواضع واحترام كل من في القاعة وتقدير كل دول الجوار والدول العربية. لقد كانت جلسة عالية المستوى غنية في محتواها ومضمونها وراقية في أداء الشيخ محمد بن راشد، ونكون سعداء عندما نجد مسؤولًا عربياً يقف أمام جمهور يتجاوز عدده 2000 شخص جميعهم من القيادات الحكومية والإدارية في الإمارات ومن خارج الإمارات، ويطرح تلك الأفكار الجريئة بكل تلك الثقة. تكلم الشيخ محمد بن راشد 120 دقيقة تقريباً دون أن يشعر الحضور بالوقت، فقد نجح سموه في مزج المعلومة بالأفكار والقصص والمواقف، فجعل الحديث يأخذ أبعاداً مفيدة للجميع سواء كانوا موظفين حكوميين أو غيرهم، أو كانوا مواطنين أو غير مواطنين. مثل هذه اللقاءات لم نكن نشاهدها إلا في بعض الدول الغربية. أما اليوم فقد شهدناها على أرض الإمارات وفي دبي. فالشيخ محمد بن راشد الذي يحب دائماً أن يكون في المركز الأول ها هو أول مسؤول عربي رفيع المستوى يقدم لقاء مفتوحاً، يجيب من خلاله على أسئلة المواطنين والإعلاميين. كما أن سموه أحال إلى وزرائه خلال الجلسة، الأسئلة التي وجهها الجمهور لسموه، والتي كانت متعلقة بقطاع معين في الحكومة، فحوّل سؤالاً عن الصحة إلى عبد الرحمن العويس وزير الصحة، وسؤالاً ثانياً لوزيرة الشؤون الاجتماعية، وسؤالاً ثالثاً لوزير التربية والتعليم... في رسالة واضحة بأن على كل مسؤول تحمل مسؤوليته، وعليه أن يكون مستعداً دائماً للسؤال والإجابة... كما أن الشيخ محمد بن راشد خلال الجلسة لم يتحاش سؤالاً جريئاً حول احتمال إجراء أي تعديل وزاري على الحكومة الحالية... فقال إنْ استحق، فإنه سيقوم بالتغيير المطلوب. ما فعله الشيخ محمد بن راشد، هو أنه قدم دروساً لكل مسؤول في الحكومة الاتحادية -والحكومات المحلية أيضاً- في كيفية العمل والتعامل، وكيف يكون الشخص مسؤولاً وقائداً، وأعطى درساً مهماً لبعض المسؤولين في القيادة، فهي ليست عملاً مستمراً واجتماعات وخططاً ودراسات فقط، بل هي كذلك اهتمام بالصحة من خلال الرياضة، واهتمام بالنفس من خلال ممارسة الهوايات، وهي كذلك اهتمام بالعائلة، وهي قدرة على تنظيم الوقت وترتيب الأولويات. أكثر تعليق أثار انتباهي كان من الصديق داهم القحطاني من الكويت، والذي حضر جلسة الشيخ محمد بن راشد، فقد قال لي إنه بينما يستمع إلى كلام الشيخ محمد بن راشد، كان يتوقع ما الذي سيقوله وبعض الأحيان كان يتوقع إجاباته على بعض الأسئلة، فتساءلت: هل تجاوزت رؤية سموه وطريقة تفكيره حدود الإمارات وأصبح يدركها الجميع؟ إذا كان كذلك فهذا إنجاز يحسب لسموه، فليس من السهل أن يستطيع قائد أن ينشر فكرته في بلده فما بالك إذا نجح في نشرها داخل الدولة وفي الإقليم... هذا دليل على أن صفات القيادة التي لديه لها أبعاد واسعة. حديث الشيخ محمد بن راشد كان مليئاً بالدروس والخبرات والتوجيهات وكذلك قصص النجاح الملهمة التي لا يمكن حصرها. ولكن ما يجعل كل مواطن مطمئناً لما يحدث في الإمارات هو ما كرره الشيخ محمد بن راشد أكثر من مرة، وهو أننا لا نصل إلى خط النهاية عندما نعمل ونتطور، ونتميز فلا نهاية للطموح. وما أقنعني أكثر عندما قال إننا نصحح أخطاءنا بشكل مستمر، فرغم كل إنجازات الإمارات التي نفاخر بها، فإننا يجب أن نكون قادرين على نقد ذاتنا وتقييم أعمالنا وخطواتنا فالكمال لله وحده. أما ما يهمنا كبشر فهو السعي إلى الكمال -ولن نصل إليه- لكنه لا يجب أن نتوقف عن السعي في الاقتراب منه، فنحن رائعون ولكننا لسنا كاملين، وهذا يعني أن علينا أن نواصل العمل، وأن نصحح ما أخطأنا فيه ونحن نعمل أولاً بأول. ملخص هذه الجلسة، هو أن كل إماراتي يستحق لقب «صاحب السعادة» ،لأنه يعيش في وطن يحبه وعلى تراب أرض يعشقها، ومع حكومة لا تتوقف عن ترديد أنها تسعى إلى تحقيق «سعادة» المواطن، وهي تعمل على ذلك، فقد قال الشيخ محمد بن راشد بوضوح إن «دور الحكومة هو تحقيق السعادة لمجتمع الإمارات والعدالة للجميع»... وما يجعل الإماراتي «صاحب سعادة»، هو أن حكومته تعتبر نفسها «سلطة لخدمة الناس وليست سلطة عليهم»، وقد قالها سموه واضحة. فمن تكون السلطة لخدمته فبلا شك أنه من «أصحاب السعادة»، ومن يكون «صاحب سعادة»، فعليه أن يحافظ عليها، ليصل في يوم من الأيام ليكون من «أصحاب المعالي»، ولهذا اللقب قصة أخرى سيكون لها حديث آخر. كما أن هناك أسباباً أخرى للسعادة لن نتكلم عنها، سنحافظ عليها وستبقى «السر الكبير» بين المواطن الإماراتي وبين من منحه تلك «السعادة». محمد الحمادي كاتب وصحفي -الإمارات