ربما لم تثر قضية أخرى من الجدل والخلاف بين تيارات الفكر العربي الإسلامي المعاصر، مثل ذلك الذي أثارته قضية العلاقة بين الدين والدولة أو السياسة والدين، وهي القضية التي يستعيدها بمنهجية رصينة ومتعمقة كتاب صادر في الآونة الأخيرة حول "النظام السياسي في الإسلام"، وفيه يناقش كل من الدكتور برهان غليون والدكتور محمد سليم العوّا مسألة النزاع حول وجود أو عدم وجود صورة لنظام الحكم السياسي في الإسلام ونوع العلاقة وطبيعتها بين الدين والسياسة في الإسلام. ويلاحظ غليون أن السؤال حول وجود نظام حكم إسلامي لم يكن ليطرح على المسلمين في عصر آخر غير عصرنا الذي أصبحت العلمنة سمة لتطوراته الحديثة في الفكر والسياسة والمجتمع، لكن إجابته تتطلب تحديد معنى النظام السياسي ثم معرفة ما يعنيه الإسلام. فالنظام السياسي هو ما يشير إلى مجموعة من القواعد والمبادئ والأهداف والآليات التي تحدد نمط ممارسة السلطة العامة في المجتمع، بمعنى أنه لا يقوم في الفراغ وإنما يعكس طبيعة البناء السوسيو-اقتصادي والتوازنات الطبقية في مرحلة تاريخية محددة. وفيما يخص الإسلام يميز غليون بين ثلاثة مستويات؛ أولها مستوى الإيمان وجوهره التسليم والشهادة أن لا اله إلا الله والاعتراف بالقرآن نصاًّ منزلا يتضمن كلام الله وتعاليمه التي ينبغي على المؤمن التقيد بها. والمستوى الثاني هو الشروح والتأويلات الاجتهادية حول القرآن والتي أصبحت نصاً آخر (الفقه) يحل شيئاً فشيئاً مكان النص الأول. أما المستوى الثالث فهو مستوى السلوك العملي أو الممارسة التاريخية للمسلمين من حيث هم بشر. ويرى غليون أن الإسلام في مستواه الأول لا يمكن أن يكون مصدر نظريات سياسية أو تصورات لنظام الحكم، وإن كان يؤسس لمفاهيم كبرى حول الكون والإنسان ودوره فيه. أما أدبيات التأويل الإسلامية، فولدت نزعتين متناقضتين ومتكاملتين في آن واحد؛ هما النزعة "الشرعوية" القانونية التي حولت الرسالة الدينية إلى مدونة قانونية ذات صفة مقدسة، ثم النزعة التصوفية الشعبية التوكلية التي أصبحت زهداً اجتماعياً وعقلياً. ويرى غليون أن وجود بنية فكرية كهذه أتاح للنظام السياسي إعادة إنتاج نفسه بصفته نظاماً أوتوقراطياً بعيداً عن الدين وعن الأمة معاً، ومن ثم فهو لا يرى في النظم السياسية التي عرفتها المجتمعات الإسلامية انعكاساً للأفكار والنظريات الفقهية التي طورها العلماء المجتهدون، بل العكس هو الصحيح. وقد بلور المسلمون نظرياتهم التي حاولت الإجابة على أسئلة مثل: من له الحق في الخلافة؟ ومن الخليفة الشرعي؟ وكيف يعين المسلمون هذا الخليفة أو الأمير ويختارونه؟ وما هي صلاحياته وحدود سلطته؟ وما واجباته تجاه الرعية؟ وما حقوق الرعية عليه؟ وما الشروط التي توجب طاعته وتلك التي تبرر عزله أو خلعه؟
ونشأ عن الإجابة على تلك التساؤلات فقه السياسة أو الخلافة أو الإمامة العظمى، وأدبيات الإمارة وممارسة الحكم. وجمع الفقهاء نظريات المسلمين السياسية في ثلاثة مذاهب رئيسية: المذهب الشيعي بفرقه الإسلامية التي تقصر الخلافة على الأئمة من آهل البيت، والمذاهب السنية التي رأت أن منصب الخليفة الشرعي يجوز تبوؤه لأي مسلم صلح إسلامه واختاره المسلمون. أما الفرق الخارجية فمزجت بين عناصر النظرية الشيعية والسنية وجعلت من الإمام مركزاً دينياً ودنيوياً لا ينفصل. ويصل غليون من ذلك التحليل إلى أنه ما كان يمكن للقرآن أن يأتي بنظرية في السياسة والدولة ونظام الحكم، وأن الإسلام لم يولد السياسة والدولة من حيث إنهما ضروريتان للإيمان، وإنما من حيث هما نتيجتان جانبيتان لنشوء جماعة دينية، أي أن الدولة لم تكن مطلباً دينياً ولكنها كانت مطلباً دنيوياً نزع إلى تحقيقه المسلمون.
ويتطرق غليون كذلك إلى موضوع الصراع الراهن حول علاقة الإسلام بالسياسة أو الدين بالدولة، ويرى أنه مرتبط بالنزاع على تداول السلطة وعلاقة الدولة بالمجتمع. فالنظم التي عرفتها المجتمعات العربية والإسلامية بعد خروجها من السيطرة الاستعمارية طورت آليات احتكارها الدائم للسلطة، وفي مواجهة هذه النخب الحاكمة التي تعتمد على رأسمال رمزي ذي سمات علمانية، كما يقول غليون، لم تجد النخب المعارضة إلا الدين بوصفه مصدراً مقابلا لفرض شرعية التداول على السلطة، وفي هذا الخضم تظهر الفكرة الإسلامية التي تربط السلطة بالدين وكأنها الوسيلة الطبيعية والبسيطة أيضاً لمصالحة السياسة عامة مع المجتمع وعودة الدولة إلى أصولها وجذورها المحلية!
أما الدكتور محمد سليم العوا فيتطرق في بحثه حول "النظام السياسي في الإسلام" إلى أربعة محاور رئيسية هي: مسألة الدين والدولة، والقيم السياسية الإسلامية، والتعددية السياسية في النظرة الإسلامية، ومسألة العمل السياسي للمرأة. ويقول العوا إن البحث في مسألة الدين والدولة من وجهة النظر الإسلامية، هو بحث جديد نشأ مع تنحية الشريعة والفقه من الحياة العامة في بلاد المسلمين بعد تعرضها للاستعمار الغربي. لكنه يقر بأن القرآن والسنة لا يتضمنان نصاً على