مع زيارة الرئيس الإيراني لمصر -وهي أول زيارة لرئيس إيراني منذ ثورة عام 1979- لحضور القمة الإسلامية بالقاهرة التي عقدت في نهاية الأسبوع الأول من هذا الشهر أثيرت مجدداً قضية العلاقات المصرية- الإيرانية، والشيء الواضح وضوح الشمس أن ثمة رغبة جامحة -أو على الأقل واضحة- لدى إيران في تقوية التعاون بين البلدين على نحو يقترب من التحالف فيما توجد ضغوط لا لبس فيها داخلية وخارجية على مصر لوقف هذا المسار. وتتضح تلك الرغبة الإيرانية في الحديث الذي أدلى به الرئيس الإيراني لصحيفة "الأهرام" ونشر في السادس من هذا الشهر، ومحور أساسي في هذا الحديث ما يمكن تسميته بـ"غزل صريح" لمصر، فالمؤتمر الإسلامي وفقاً له مهم "وتزداد أهميته من مكانة مصر التاريخية". والأمر الذي لاشك فيه أن كل القوى التي حاولت القيام بدور إقليمي قيادي في المنطقة وجدت أنه من الضروري أن يتم أولاً "تحييد مصر" بالنسبة لهذا الدور أو حتى تأييده، حتى لا تستفز للدفاع عن دورها التقليدي في المنطقة ولو كان هذا الدور قد تراجع تراجعاً واضحاً وصولاً إلى اختفائه اللهم إلا بعض الكلمات والتصريحات الرسمية التي تعتبره "معطى" من معطيات السياسة في المنطقة مهما بلغ التراجع أو حتى التبعية. هكذا حاول صدام مع مصر في الجزء من فترة القطيعة العربية وبالذات في عام 1989 حين أنشئ مجلس التعاون العربي من كل من العراق ومصر واليمن والأردن، فأغدق المساعدات الرسمية على مصر، وكذلك الهدايا التي كانت من نصيب أفراد النخبة الحاكمة، وكذلك نخبة الصف الثاني من رؤساء تحرير صحف وكتاب في هذه الصحف ورجال إعلام وقيادات حزبية، واستمر هذا الوضع حتى غزو الكويت في أغسطس عام 1990، لكن الرئيس العراقي السابق لم يستطع ولو بالحد الأدنى أن يحقق أي صورة من صور التأييد المصري لغزو الكويت أو حتى السكوت عليه، وانقض مجلس التعاون العربي من داخله، وحدثت قطيعة مصرية- عراقية استمرت حتى الغزو الأميركي للعراق حين تحسنت العلاقات بين البلدين، وإن كان ذلك قد تم للأسف تحت "السقف الأميركي". وهكذا يلمح الرئيس الإيراني دون جدوى بمساعدات اقتصادية وعسكرية لمصر وكأنه لم يقرأ دروس التاريخ القريب. لكن الرئيس الإيراني يبدو أنه إما لا يعرف طبيعة الصعوبات التي تعترض عودة العلاقات المصرية- الإيرانية إلى ما كانت عليه إبان عهد الشاه والسادات على سبيل المثال، وإما أنه يعرف ولكنه يحاول أن يداور ويناور لعل وعسى. وقبل أن نستعرض باختصار هذه الصعوبات نقول إنها هي المسؤولة عن المؤشرات المتعارضة في زيارة الرئيس الإيراني لمصر، فثمة مؤشر إيجابي برز في البداية وهو الاستقبال الذي وصف بأنه "حار" للرئيس الإيراني بمطار القاهرة، حيث تصافح الرئيسان بحرارة بعد أن استقبله رئيس الجمهورية المصرية على سلم الطائرة وقبَّلَه فور هبوطه، ثم توجه الرئيسان إلى الاستراحة الرئاسية بالمطار حيث عقدا جلسة مباحثات تناولت آخر المستجدات على الساحة الإقليمية وسبل حل الأزمة السورية، وسبل تدعيم العلاقات المصرية- الإيرانية، واعتبرت صحيفة "لوفيغارو" الفرنسية أنه على رغم خلافات واسعة في قضايا سوريا والخليج وحتى القضية الفلسطينية إلا أن النظامين "إسلاميان"، وهو ما يوجد أرضية مشتركة لعودة علاقات مقطوعة منذ الثورة الإيرانية عام 1979 وفرتها ثورة 25 يناير أو "ثورة النيل" بحسب تسمية الصحيفة، وهو حكم مبالغ فيه كما يتضح من مضمون هذه المقالة. غير أن المؤشرات المعارضة سرعان ما بدأت في الظهور، وتمثل ذلك في زيارة الرئيس الإيراني إلى الأزهر الشريف الذي حرص على الإشارة بعلامة النصر لدى دخوله لمقر مشيخته، غير أن لقاءه بشيخ الأزهر لم يكن إيجابياً بالمرة، وهو لقاء حضره بالإضافة إلى الإمام الأكبر مفتي الديار المصرية وهيئة كبار العلماء، وكان لافتاً أن شيخ الأزهر لم يحضر المؤتمر الصحفي الذي عقده الرئيس الإيراني بعد اللقاء، واكتفي -فيما يعد إهانة دبلوماسية واضحة- بتفويض كبير مستشاريه لحضور المؤتمر الذي تلا فيه بياناً من الواضح أنه أثار امتعاض الرئيس الإيراني، إذ قال البيان إن شيخ الأزهر قد "طالب الرئيس الإيراني باحترام البحرين كدولة عربية شقيقة، وعدم التدخل في شؤون دول الخليج"، و"طالب بوقف النزيف الدموي في سوريا الشقيقة والخروج بها إلى بر الأمان"، وأضاف البيان أن شيخ الأزهر طالب الرئيس الإيراني "بضرورة العمل على إعطاء أهل السنة والجماعة في إيران خصوصاً في إقليم الأحواز حقوقهم الكاملة كمواطنين"، كما أكد أنه "يرفض المد الشيعي في بلاد أهل السنة والجماعة"، مؤكداً أنه "أمر بالغ الخطورة، ومصر كانت وما زالت معقلاً لأهل السنة والجماعة، والأزهر الشريف يرفض رفضاً قاطعاً جميع محاولات نشر التشيع بين أهل مصر وشبابها". وأشار إلى أن الإمام الأكبر "أبدى استنكاره خلال اللقاء لما يتعرض له صحابة الرسول والسيدة عائشة رضي الله عنهم من سب من قبل البعض في إيران" مؤكداً "رفض الأزهر تلك الممارسات جملة وتفصيلاً". وأما المؤشر الثاني المعارض فتمثل في تظاهر عشرات من السلفيين أمام مشيخة الأزهر احتجاجاً على زيارة الرئيس الإيراني، ورفعوا لافتات مؤيدة لسوريا، وشدد حزب "النور" السلفي على أن "مصر ستقف بشدة أمام أي محاولات إيرانية لاختراق الدول الإسلامية سياسياً أو ثقافياً أو عسكرياً"، وأشار في بيان إلى أنه "لابد من أن يدرك النظام الإيراني أن أمن الخليج من مفردات الأمن القومي المصري"، داعياً الرئيس مرسي إلى "الحديث مع الرئيس الإيراني عن اعتراض مصر الشديد على دعم النظام الإيراني لنظام بشار سياسياً وعسكرياً، وهو الدعم الذي ساعد على استمرار مسلسل القتل والتشريد لأبناء سوريا الحبيبة". كما طالب "بإظهار موقف مصر من اضطهاد النظام الإيراني لأهل السنة في إيران". كما طالبت الدعوة السلفية بتحديد إقامة الرئيس الإيراني مشددة على ضرورة منع زيارته الأماكن التي يزعم الشيعة أنها ملك لهم، ولعل هذا يتسق مع الهجوم الذي تعرض له الرئيس الإيراني لدى خروجه من زيارة ضريح الإمام الحسين رضي الله عنه. ومن ناحية ثالثة حذر الداعية السلفي محمد حسين يعقوب في خطبة الجمعة التي ألقاها في الثامن من هذا الشهر من خطر زيارة الرئيس الإيراني على مصر خاصة وعلى الإسلام عامة. وأهمية هذه المعارضة الأزهرية والسلفية لإيران ورئيسها كما قال الناطق باسم رئيس الجمهورية بحق إن الحكومات لا تستطيع في سياساتها أن تتجاهل الرأي العام الداخلي، سواء كان ذلك من باب الديمقراطية أو خشية فقدان قاعدة تأييد سياسية، كما هو الحال بالنسبة للسلفيين في علاقتهم بالحكم الراهن في مصر. أما الصعوبات العربية فهي واضحة، فمصر لا تستطيع أن تنسلخ عن محيطها العربي قومياً أو مصلحياً، ومن ثم لا تستطيع أن تتجاهل البعد العربي لأي تقارب مع إيران، وكذلك فإن من نافلة القول إن تقارباً مصرياً- إيرانياً لن يكون موضع رضا أميركي أو إسرائيلي لأسباب معروفة، ومن ثم فإن ثمن هذا التقارب باهظ للغاية بالنسبة للمصالح المصرية. والمعضلة إذن أن ثمة جدوى واضحة لتطوير التعاون المصري- الإيراني، ولكن ضغوطاً هائلة تحول دون ذلك، ومن هنا يبدو أن هذه المعضلة ستعيش معنا طويلاً.