كثيراً ما تحدثنا عن أهمية أن يعلم من يشغل وظيفة ما إمكانياته وقدراته الفعلية وأن يقيسها بنتائج أعماله من نجاح أو تعثر. وكان النموذج الياباني حاضراً حين يتبادر إلى الأسماع استقالات وزراء بسبب إيمانهم الكامل بعدم كفاءتهم لمناصبهم. لذلك عندما استقال وزير النقل المصري إثر تواتر حوادث القطارات المفجعة، اعتبر البعض الأمر سابقة في الوطن العربي. واليوم يعلن رئيس الوزراء التونسي استعداده للاستقاله في حال لم يتحسن وضع بلاده، ولم يتمكن من تعيين وزراء تكنوقراط لتعديل أوضاع تونس، وهو الأمر الذي كان لابد أن يكون خاصة وأنها فترة انتقالية خطرة، وعلى الجميع، تقديم تنازلات حتى تمر العاصفة بسلام. هذا النوع من التفكير النقدي للذات أولًا وللآخرين المخولين من قبل المسؤول نفسه ثانياً، سيجعل الأمور الإدارية تسير وفق نظام بناء، يستطيع تجاوز العقبات والوصول إلى نتائج مرضية لأبعد حد. ولأن ثمة عقلية يتصرف على أساسها البعض تحسب أنه حتى المناصب تتواصل للأبد، لذلك يعيش الموظف في درجة كبيرة وكأنه مستمر فيها إلى ما لا نهاية، لدرجة أن البعض لا يعين نائباً له مخافة أن يتجاوزه أو يتفوق عليه، أو أن يوجد بديلاً له في أسوأ الأحوال. والأكثر مرارة أن هناك من يرفض تطوير موظفيه وفق أنظمة إدارية متميزة خشية أن يكونوا ذات يوم ضده، ويتحول التطوير ضده، وبالتالي الإطاحة به. هذا المسؤول تعرفه فوراً بمجرد أن تزور مؤسسته، فالرضا الوظيفي يكون معدوماً في جو المؤسسة الطارد، وفي هذا النوع من المؤسسات هناك شعور بعدم الاستقرار، وتجد فيها الكثير من المناصب الإدارية العليا شاغراً، لأن البعض فيها يزعم أنه لم يجد كفاءات تقنعه بشغل الشواغر. وحتى ولو كانت هناك مؤسسات رقابية تقيم أوضاع المؤسسة وتوجهها، وتعد السياسة في هذا النوع من الأمور مهمة، إلا أن المسؤول يظل هو الأهم، وهو الذي يتصرف في تفاصيل المؤسسة، ويستطيع أن يدعي الكثير دون أن يسأله أحد، أياً كان، إن كان صاحب حجة، أو أن حجته الوحيدة إبقاء الوضع على ماهو عليه حتى إشعار آخر. ولعل أبسط وصف يمكن أن يسقط على مسؤول من هذا النوع هو الفشل، لأنه لم يدرك أهمية فريق العمل، وما هو دور القائد الفعلي، وأنه رب عمل، عليه أن يصنع قادة صغاراً بمهام وظيفية واضحة وبإمكانهم إدارة دفة المؤسسة في غيابه أو استخدام غيره. التغير مطلب مهم جداً، والأهم هو حسن تقدير العمل وحساب نتائجه وإمكانية التصديق بأنه لا يوجد منصب دائم للأبد، وأن المسؤول عليه بالتغيير والبحث عن التميز والسعي الدائم نحو الأفضل، أياً كانت الظروف والعلل.