رحل جمال البنا عن دنيانا في هدوء ومن دون ضجيج. وتنفّس كثير من شيوخ الدين الصعداء بموته، الذي وضع حدّاً لطروحاته الشاذة من وجهة نظرهم! فلم يلقَ داعية إسلاميّ هجوماً ضارياً من قبل علماء المسلمين، كما لقي المفكر الإسلامي جمال البنا، وهذا يعود إلى جملة آرائه الجريئة التي تدعو في مجملها إلى وجوب تفعيل العقل لا تدجينه، كي تتخلّص الأمة الإسلامية من التطرّف الفكري وتتحرر من خندق الجمود، الذي تحيا في أجوائه اليوم! من الفتاوى التي أطلقها وأثارت الكثير من اللغط، وأدّت إلى غضب مشايخ الدين عليه، فتواه بعدم شرعية قتل المرتد، لأنَّ الارتداد عن الإسلام لا يُلزم حد القتل، وكون الإسلام يكفل حرية العقيدة للإنسان. ومن فتواه المهمة أيضاً، إجازته إمامة المرأة للرجال في الصلاة إذا كانت أعلم منهم بالقرآن. ولكن أكثر فتوى أثارت حنق الكثيرين عليه، تلك التي أفتى فيها بأن القرآن خصَّ الحجاب بنساء النبي محمد. لكن لا يعلم أغلبية الناس أن هذه الفتوى ليست بجديدة، فقد سبق وأن تطرّق المفكر الإسلامي (عبد الحليم أبو شقة) لقضية الحجاب في كتابه (تحرير المرأة في عصر الرسالة)، وأفتى في فصل من فصول الكتاب بعدم فرضية الحجاب على المرأة المسلمة. لا أرغب في فتح نقاش حول مجمل الفتاوى التي طرحها هذا الداعية المستنير، حتّى لا أفتح على نفسي طاقة من جهنم من الصعب إغلاقها مع هذا المناخ الفكري المتطرّف الذي أصبحنا نعيش فيه، والذي يرفض سماع الصوت المخالف له، بل ويُناصبه العداء جهاراً إن رأى منه خروجاً عمّا شبَّ عليه! ولكنني أود أن أطرح جملة تساؤلات حيّرتني! لماذا على المفكر الليبرالي أن يدفع أثماناً باهظة عند طرحه رؤى مستقبلية جديدة مخالفة للأعراف المتوارثة؟! لماذا يتم حجب فكره كأنه وباء معدٍ يجب حماية عقول الأجيال الصاعدة منه؟! لماذا كلما خرج من بيننا داعية مستنير يدعو إلى عدم تدجين العقل على مجموعة من الفتاوى، يُتهم بأن أفكاره مخالفة للكتاب والسُنة؟! بلا شك أن البنا يختلف عن غيره من الدعاة، في أنه لم يحد قيد أنملة عن معتقداته الفكرية، بل وهاجم سياسة جماعة «الإخوان»، التي قامت على يد أخيه حسن البنا. وسخّر حياته على وجوب تفعيل العقل في قضايانا الحياتية. وفي كتابه (نحو فقه جديد) الذي صدر في ثلاثة أجزاء، دعا إلى وجوب إنشاء فقه جديد يُواكب العصر الحالي، وقد أثار الجزء الثالث منه الذي صدر عام 1999 ضجة كبيرة وطالب بعض الدعاة إلى مصادرته، لكن البنا لم يلتفت للاتهامات التي حاولت التشكيك في نزاهة مقصده وظل وفيّاً لنهجه! كلما جاءت سيرة جمال البنا أمامي، اسمع هجوماً سافراً عليه كأنه أتى بدين جديد! وانقسم الناس بمجتمعاتنا العربية حوله، فهناك من يراه مجرد مفكر ليبرالي لا صلة له بدعاة الدين! وهناك من يُصنفه على أنه مفكر إسلامي مستنير بمناداته الدؤوبة إلى إحياء الفكر الإسلامي، والوقوف في وجه التيار التقليدي الذي يُصرُّ على سجن العقل العربي في جملة من الفتاوى العقيمة! مات البنا تاركاً خلفه مؤلفات كثيرة بحاجة إلى مراجعة عميقة ومتأنية، هذا الرجل الذي سخر من طروحاته الكثيرون وأشاد بها الكثيرون كذلك، يجب أن يتم رفع الحجب عن هذه الكتب حتّى تقرأها الأجيال الجديدة بتبصّر، في عصر أصبحنا في أمس الحاجة فيه إلى أطواق نجاة مُحاكة من جملة أفكار مستنيرة تنتشلنا من عواصف العنف والتطرف التي غدت تُحاصرنا من كافة جوانب حياتنا!