تنطوي التدخلات العسكرية التي تقوم بها الدول الكبرى في شؤون الدول الصغرى، مثلما هو جار حالياً في مالي أو الذي يطالب به السوريون لإنهاء الحرب الأهلية المستعرة ضد مؤيدي النظام، على مخاطر كثيرة قد تصل حد السذاجة والتهور، لأنه حتى الدول الكبرى مؤهلة للفشل وتضييع الأهداف التي تدخلت من أجلها عسكرياً. والحقيقة أن المقاصد التي ترومها الدول الكبرى من وراء تدخلاتها العسكرية نادراً ما ترى النور، والأمر هنا لا يقتصر فقط على العراق الذي أطيح بنظامه ليسقط ضمن دائرة النفوذ الإيراني، بل سبقه التدخل الأميركي في أفغانستان خلال عامي 78و1979 عندما قررت إدارة كارتر، من خلال وكالة الاستخبارات المركزية، استدراج التدخل السوفييتي في أفغانستان، وتحويل هذه الأخيرة إلى ما يشبه فيتنام الاتحاد السوفييتي. ولكن الكرة عادت إلى الملعب الأميركي عندما خرجت القوات الغازية السوفييتية وجاءت محلها "طالبان" وتنظيم "القاعدة" لتضطر أميركا للعودة مجدداً إلى تلك البلاد بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر. وهذا التدخل الذي دام عقداً كاملًا من الزمن سينتهي في ظل استعداد الولايات المتحدة لسحب كامل قواتها من أفغانستان في السنة المقبلة مع احتمالات لعودة "طالبان" مجدداً في مؤشر واضح على عدم تحقيق المشروع الأميركي لأهدافه في أفغانستان مثلما فشل في العراق قبل ذلك. ولكن، ماذا سيكون حظ فرنسا في مالي؟ على الأقل هيأ الفرنسيون لدخولهم مالي على نحو جيد، حيث جاءت الحملة العسكرية بطلب من الحكومة، كما استقبلوا استقبال المحررين من قبل الماليين، ونجحوا فوق كل ذلك في تحرير شمال البلاد من الجماعات الإسلامية المتشددة. غير أن مالي بحكومتها الضعيفة والقوات الأفريقية غير المهيأة قد تثير عدداً من المشكلات بعد انسحاب القوات الفرنسية ونقل المسؤولية الأمنية للأفارقة. ولكن الجماعات الإسلامية المتشددة الناشطة في شمال مالي، وخلافاً لـ"القاعدة" في مناطق أخرى، لم تكن في الأصل سوى جماعات إجرامية تعتاش في المناطق الصحراوية الشاسعة والقاحلة على تهريب السجائر وخطف الرهائن الأوروبيين مقابل الحصول على المال وتمويل أنشطتها، كما أنها تقوم بين فينة وأخرى بعمليات خطيرة مثل تلك التي شهدناها مؤخراً في عين أميناس بجنوب شرق الجزائر عندما احتجزت إحدى تلك الجماعات عمالًا غربيين وجزائريين في منشأة للغاز الطبيعي، ما أعقبه تدخل صارم للجيش الجزائري راح ضحيته بعض الخاطفين والمخطوفين. وهذه الجماعات الإجرامية في الأصل استغلت الخطر الصاعد في المنطقة منذ تأسيس "القاعدة" لإنشاء جماعات تحمل شتى الأسماء مثل "حركة التوحيد والجهاد في غرب أفريقيا" و"القاعدة في المغرب الإسلامي" دون أن تربطها صلات تنظيمية قوية. ومع ذلك فربما هول الإعلام في الغرب بعض الشيء من خطورة التشدد الإسلامي في منطقة الساحل وجنوب الصحراء باعتبارها جزءاً من المخطط العالمي للمتطرفين لإقامة خلافة إسلامية عالمية تمتد للولايات المتحدة كما تروج لذلك بعض المحطات الإذاعية اليمينية في أميركا التي لا تقل تطرفاً عن المتشددين الإسلاميين أنفسهم. وعندما يشاهد الثوار السوريون التدخل الفرنسي السريع في شمال مالي فإنهم يتمنون بدورهم لو أن الغرب سارع إلى التدخل لتخليصهم من نظام الأسد الذي يحاربونه منذ أكثر من سنتين. فالصراع في سوريا كما وصفه المبعوث الأممي، الأخضر الإبراهيمي، وصل "إلى حد غير مسبوق من الرعب"، وفيما يواصل النظام تلقي السلاح من روسيا التي تقول إنها ملتزمة باتفاقيات وقعت قبل الصراع، بالإضافة إلى ما يحصل عليه من إيران، يتلقى المسلحون أسلحتهم من بعض الدول الأخرى، مع التزام الدول الغربية الحذر وتخوفها من وقوع تلك الأسلحة في أيدي المتطرفين. ولا تريد الدول الغربية التي تلتزم بحظر الأسلحة المفروض على سوريا التسرع في إيصال السلاح إلى الثوار، ولاسيما في ظل النفوذ المتنامي للجماعات الإسلامية داخل الثورة السورية التي تسعى بكل السبل، ومن خلفها داعموها إلى إسقاط حكم حزب "البعث" الذي تسيطر عليه عائلة الأسد ويتبنى توجهاً علمانياً. وهذا كله يزيد حيرة الدول الغربية المتخوفة على مستقبل الأقليات في سوريا. وفيما يواجه الاتحاد الأوروبي قيوداً كثيرة على إيصال المساعدات إلى سوريا وقصرها على تقديم الأموال للقضايا العادلة البعيدة عن السلاح تواجه إدارة أوباما ضغوطاً من المحافظين والليبراليين المنافحين عن التدخل لإبداء ردة فعل قوية إزاء ما يجري في سوريا، ولكن الشعب الأميركي الذي اكتوى بنار التدخلات الأميركية المتكررة ليس فقط في العراق وأفغانستان، بل حتى في مناطق أخرى مثل التشيلي والأرجنتين وغيرها، لم يبد حماساً لخوض حروب أخرى، ولاسيما في سوريا التي لا يعرف أحد إلى أين سيقود فيها الصراع. وإذا كان من السهل نسبياً تبرير التدخل العسكري للرأي العام عندما يتعلق الأمر برد دولة على اعتداء، إلا أنه من الصعب تبرير التدخلات الرامية إلى تغيير الأوضاع السياسية الداخلية لبلد آخر وذلك لارتباط الحكم الناجح بالسيادة الوطنية، وأحياناً انتفاء مصداقية الأطراف السياسية، سواء في الحكم أو المعارضة، التي تعتمد على القوات الأجنبية في تعزيز حظوظها. ولعل وجه الاعتراض الأساسي على التدخل الخارجي هو ما قد يصاحبه من عدم وضوح رؤية، فالتدخل في أفغانستان مثلاً اعتمد على عدم إلمام أميركي بالمشاعر الوطنية القوية في المجتمعات مع بعد الاستعمارية، أما في العراق فقد جاء التدخل بوازع أهداف ملتبسة، ودعاوى ثبت لاحقاً أنها كاذبة، هذا بالإضافة إلى الاعتقاد الساذج في البعد الكوني للقيم الأميركية وقدرتها على نشر الديمقراطية في العالم ليصبح على صورة أميركا.