تعتبر فترة الشهور الستة التي سبقت انتهاء الحرب العالمية الثانية، واحدة من أكثر فترات القرن العشرين إثارة. فعندما وصل العنف إلى ذروته، بدأ العالم يشهد سلسلة من الأحداث الجسام مثل سقوط ألمانيا النازية وصعود الاتحاد السوفييتي الشيوعي، والسقوط النهائي لليابان الإمبراطورية. كانت هذه هي الفترة التي شهدت انتحار أدولف هتلر، ووفاة فرانكلين روزفلت، وتقسيم ألمانيا، وتقسيم أوروبا ذاتها، كما شهدت الولادة العنيفة والكارثية للعصر النووي، ومقدمات مواجهة جديدة هي الحرب الباردة. كل هذه الأحداث الخطيرة وأكثر منها نقرأ وصفاً لها في الكتاب الجديد لـ"مايكل دوبس" الصحفي المرموق في واشنطن بوست المعنون: "ستة شهور من عام 1945: روزفلت، ستالين، تشرشل، وترومان... من الحرب العالمية الثانية إلى الحرب الباردة". يبدأ "دوبس" كتابه بـ"مؤتمر يالطا" الذي عقد في فبراير1945 والتقى فيه ستالين وروزفلت وتشرشل، الذين كانوا يحملون آمالاً عريضة بقدرتهم على وضع الأسس لتعاون دائم فيما بينهم. ويكشف المؤلف عن التفاصيل التي أدت إلى تدهور العلاقة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، وكيف أن مظاهر الود والتفاهم الأولية سرعان ما اختفت ليحل محلها فتور وعدم تفاهم مشترك. وعلاوة على ذلك، تبين أن مصطلحات وكلمات معينة مثل "الديمقراطية" و"الفاشية" و"الحرية" تعني شيئاً مختلفاً تماماً لكل طرف؛ وبدا واضحاً في ذلك الوقت أن تفادي "الصراع الثقافي" و"الصراع الأيديولوجي" بينهما كان معضلة عويصة. ويلاحظ أن تركيز المؤلف الأساسي على العلاقات بين السوفييت والأميركيين في المقام الأول باعتبارها الموضوع الرئيسي للكتاب، قد جعله لا يتطرق مثلاً للتأثير الذي ترتب على تمزيق بولندا وألمانيا على شعبي ذينك البلدين. كما أن الفصل الذي تناول فيه إلقاء القنبلة النووية الأميركية على هيروشيما ونجازاكي لا يتطرق سوى بالكاد للدمار المأساوي الذي حل بالبلاد المنكوبة، ويركز بدلاً من ذلك على التداعيات الدبلوماسية لاستخدام القنبلة على مفاوضات ترومان الرئيس الأميركي الذي تولى الحكم خلفاً لروزفلت مع ستالين. وهناك ملاحظة رئيسية تؤخذ على المؤلف، وهي أنه قد رسم على ما يبدو خطاً زمنياً صارماً، بحيث يتناول كتابه ما حدث خلال الأشهر الستة التي سبقت نهاية الحرب العالمية الثانية، ولا يركز على ما حدث بعدها، على رغم أن الموضوع الرئيسي للكتاب كما يفترض هو مقدمة الحرب الباردة. صحيح أنه قد تناول مؤتمر "يالطا"، ومؤتمر "الثلاثة الكبار" في"بوتسدام" إلا أن ذينك المؤتمرين لم يكونا هما من رسم ملامح ما حدث بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، بل كان هناك مؤتمر لا يكن يقل عنهما أهمية إن لم يكن يزيد هو مؤتمر طهران عام 1943 الذي حضره الثلاثة الكبار أيضاً. وعندما يلتزم "دوبس" بموضوعه الرئيسي، فإن سرده عادة ما يأتي جذاباً وآسراً، وتأتي ملاحظاته حادة كسن السكين. ويتبين ذلك بجلاء في وصفه للأجواء المشحونة التي سادت تلك المؤتمرات، كما يتبين في رسمه لملامح شخصيات ستالين وتشرشل وروزفلت وترومان. ولكن عندما يبتعد عن أجواء المؤتمرات، وطاولات المفاوضات، فإن سيطرته على التفاصيل تخف تدريجياً، بل وتصل إلى حد سرد أشياء خاطئة. ومن ذلك على سبيل المثال زعمه أن ما يقرب من مليوني ألماني قد ماتوا عند طردهم وإجبارهم على الرحيل من المناطق الحدودية التي كانوا يقيمون فيها داخل بولندا وتشيكوسلوفاكيا السابقة - وهو موضوع نوقش في يالطا وبوتسدام- كان في حقيقة الأمر زعماً خاطئاً؛ فهذا الرقم مبالغ فيه، وربما تم تحديده من قبل قطاع من المجتمع الألماني كانت لديه أجندة خاصة بعد الحرب العالمية الثانية. وهناك هفوات أخرى عديدة قد تكون أقل أهمية، بعضها يسير وبعضها ليس كذلك، ومنها على سبيل المثال أنه يستخدم كلمتي "السوفييتي" و" الروسي" ككلمتين يمكن أن تحل إحداهما محل الأخرى، على رغم أن التمييز بينهما أمر على قدر كبير من الأهمية. وزيادة على ذلك؛ ينبغي ألا ننسى أن موضوع الكتاب ينطوي بطبيعته على قدر كبير من المفارقات، وأنه وإن كان متنوعاً في تفاصيله إلا أنه جاء مكثفاً بشكل عام. وهناك ميزة أخرى تحسب للمؤلف؛ هي أن موضوعه من تلك الموضوعات التي كتبت حولها أعداد لا حصر لها من الكتب، ومع ذلك يبدو كتابه جديداً وجذاباً في آن معاً، وهو ما يجعله كتاباً يستحق القراءة عن جدارة. سعيد كامل الكتاب: ستة شهور من عام 1945 المؤلفة: مايكل دوبس الناشر: نوبف تاريخ النشر: 2012 ينشر بترتيب خاص مع خدمة "واشنطن بوست رايترز جروب"