ربما ليست هناك تجربة حية ماثلة للعيان ولا تزال تقدم ثمرات الاستفادة منها، مثل أزمة الرهن العقاري التي ألمت بالعالم أجمع، وكانت لها نتائج سلبية على بعض البلدان، ولكننا من فضل الله علينا تجاوزناها بحكمة قيادتنا. ومنذ ذلك الحين بدأت الدول، ومنها دولتنا المباركة ترسم الخطط التي تنهض بالبلاد وتدعم بنيتها التحتية ليس بالتركيز على قطاع العقار فحسب، بل فتح أبواب الاستثمار والتمويل فيما يعود على الوطن والمواطن بالفائدة الكبيرة المستمرة، في مسعى لضبط حركة رؤوس الأموال، وإحاطة التمويلات البنكية بأعلى درجات الحماية المستقبلية لضمان سلامة جميع الأطراف. ومناسبة هذا الحديث هي التعميم الذي أصدره المصرف المركزي نهاية ديسمبر الماضي، والذي أثار جدلاً واسعاً في الأوساط المصرفية، وكان ينص على أن "مجلس إدارة المصرف المركزي قرر ألا يتجاوز الحد الأقصى لنسبة القرض مقابل القيمة في حالة الرهن العقاري للأفراد 70% بالنسبة للمنزل الأول للمواطنين، و50% للمنزل الأول بالنسبة لغير المواطنين، و60% للمنزل الثاني للمواطنين و40% للمنزل الثاني لغير المواطنين". ولم يلبث المصرف المركزي أن ألحق هذا التعميم بتعميم آخر قبل أيام موضح له مضمونه أن البنوك وشركات التمويل العاملة بالدولة غير ملزمة بتطبيق ما جاء في التعميم السابق، مطالباً القطاع بإبداء رأيه بشأن نظام جديد للرهون العقارية للأفراد، يعتزم إصداره قريباً، والقيمة المناسبة لمبلغ التمويل التي تراها شركات التمويل العقارية والبنوك، بما يضمن حماية المستهلك واستقرار السوق، وإرساء الشفافية. إن هذه المسألة التي أثارت ردود أفعال بنوك وشركات التمويل العقاري لا يمكن وصفها، إلا بأنها نموذج حضاري عالي الشفافية يتعامل به المصرف المركزي مع البنوك وشركات التمويل العقاري بما يخدم المصلحة الاقتصادية العامة للدولة، والحفاظ على استقرار ومتانة القطاع المصرفي، وهي في النهاية تصب في مصلحة القطاع المصرفي الذي يلعب دوراً مهماً في التنمية الاقتصادية. ولكننا من باب الحرص على المصلحة العامة وإبداء الرأي بما يخدم الجميع نتساءل عن سبب هذه "الزوبعة" في أوساط بعض البنوك التي تعلم أكثر من غيرها الآثار التي تركتها أزمة الرهون العقارية المعروفة! والتي تسبب فيها فتح باب التمويل على مصراعيه دون قيود، تاركاً تبعات مؤثرة شكلت درساً لا ينبغي أن يُنسى بسهولة في هذا الشأن، فكان من ورائها ارتفاع أسعار العقارات، ثم مصيدة التضخم، ثم خروج رؤوس الأموال وبعدها خسائر بعض البنوك والتي ترتّب عليها أن قامت الدولة بمساعدة هذه البنوك للخروج من أزمتها. والنقطة الثانية التي أريد الإشارة إليها في هذا الخصوص تتعلق بوجهة التمويل البنكي وتركيزها على القطاع العقاري! وسؤالي، لماذا تبتعد البنوك وتُقلّل من تركيزها على القطاع الصناعي والمشاريع المتعلّقة به، والتي تعود على البلاد بالفائدة العظيمة، وترسخ على المدى المتوسط والبعيد بنية تحتية تعود فوائدها لعشرات، بل مئات السنين؟! والنقطة الثالثة التي لا تقل أهمية عن سابقاتها، وهي السؤال الجوهري: كم عدد المواطنين المستفيدين من تسهيلات التمويل العقاري اللامحدودة في مقابل العدد الكبير من المستثمرين الخارجيين الذين يدخلون إلى الأسواق العقارية بالأموال، ويضاربون في الأسواق ويرفعون الأسعار، ثم عند أول إشارات التضخم، كما قلنا، يكونون أول من يخرج بأمواله وتبقى العقارات بأسعار لا تفي نصف تكلفة بنائها؟! فلماذا لا يكون هناك نظام يضبط رؤوس الأموال غير المستقرة في الدولة؟ ولماذا لا تعاد الثقة بالتمويل الصناعي وتطوير العديد من مشاريع البنية التحتية والتحول إلى اقتصاد صناعي يستند إلى استراتيجية مدروسة طويلة الأمد، ورؤية واضحة تهدف إلى تنويع مصادر الاقتصاد وبناء قطاع صناعي فعال، وإقامة مجمعات صناعية متطورة لدفع عملية التنويع الاقتصادي إلى الأمام وترجمتها إلى مشاريع ذات جدوى ومردود اقتصادي، مثل صناعة البتروكيماويات ومواد البناء، والصناعات الكيميائية والصناعات المعدنية، والصناعات الغذائية، وخدمات النفط والغاز والنقل وغيرها. ومع ذلك، فإننا كلنا ثقة بأن بنوكنا تحمل كامل الحرص على الوقوف دائماً إلى جانب ما يخدم التنمية وترسيخ الاقتصاد والبنية التحتية، ولن تتوانى يوماً في البحث عن أفضل السبل التي تصب في هذا الاتجاه، مع يقيننا أن المصرف المركزي في الإمارات يتبنى هو الآخر كل ما يضمن استقرار البنوك العاملة في الدولة وضمان النجاح لها، جنباً إلى جنب مع دعم الاقتصاد وضمان نجاح الدولة في مسيرة النهضة. عبدالله دعيفس محام وكاتب إماراتي