في باريس كما في لندن كانت صورة في كل مكان تعلن عن فيلم جديد يبرز لحظات من بواكير حياته المأساوية القصيرة. وجه هادئ تملؤه قسمات الإصرار وهو مستسلم لقدر خوض المعارك طيلة حياته.
دخلت قاعة سينما ثقافية لأشاهد ذلك الفيلم الأرجنتيني عن حياة الثوري "شي غيفارا". هذه قاعة لا يحضر عروضها عادة إلا قلة من الناس. في تلك الأمسية غصت بالحاضرين.
كانت الغالبية من الشباب الذين ولدوا بعد سنين طويلة من فضيحة قتل ذلك البطل على يد عملاء وكالة الاستخبارات الأميركية بمساعدة من بعض المأجورين القتلة. وإذن لم يكن الحضور من قبل أناس كبار في السن يملؤهم الحنين إلى ماضٍ ولّى ورحل، عاشوا فترة الأحلام الكبيرة في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي. كان شيئاً آخر يستحق التمعن فيه.
لم يبرز الفيلم غير حاستين إنسانيتين مبكرتين في أعماق ضمير "شي غيفارا" المعذب هما الصدق مع النفس والحساسية المفرطة تجاه الظلم وإهانة الكرامة الإنسانية. فكانت تلك مقدمات لما قاله بعد ذلك وعاشه. بعد سنين قال لأصحابه:"إن الهيكل العظمي لحريتنا قد اكتمل، لكنه يحتاج للحم والكساء، وهذا ما سنقوم بخلقه". وكجواب على سؤال صحفي قال:"أنت تسألني عما يدفعني إلى عيش حياة الفعل. إنها رغبتي في أن أكون في قلب كل ثورة تحارب ضد إهانة الكرامة الإنسانية، أن أكون مع الذين يحملون السلاح لرد تلك الكرامة".
قلت في نفسي: ما سر بقاء قصص البطولات الإنسانية عبر القرون وعبر تعاقب الأجيال؟ ما الذي يجعل قصة بطولات "شي غيفارا" تزداد وهجاً بالرغم من محاولات قوى الرتابة والجبن والشهوات الحقيرة إطفاءها ومحوها من ذاكرة ووعي أجيال المستقبل؟ خطر في بالي تفسيران:
الأول هو في طبيعة مسار التاريخ الذي لا يسير في خطٍ مستقيم وإنما في خطوط متعرجة، تتراجع إلى الوراء أحياناً وتدور حول نفسها أحياناً أخرى، لكنها بعد حين تسترجع وجهتها الصحيحة ليعاود الإنسان مسيرته وصعوده.
أما الثاني فهو في بقاء وهج من نور العدالة الإلهية حياً في عقل وروح وضمير البشر. قد يخفت ذلك النور ويضمُرُ تحت وطأة الكذب والتزوير الذي تمارسه بعض دوائر المصالح والأنانية لكنه لا يندثر.
في بلاد العرب اليوم هناك من يسعون لاختفاء ظاهرة البطولات، فلا يرون ما يجري من مقاومة شريفة في فلسطين والعراق إلاً كنوع من العبث. وهم بهذا يتبعون مدرسة الاستخبارات الأميركية ومن تمثلهم في الشرق والغرب التي ظنت أن ظاهرة عشق البطولات تموت في قلوب الناس بمجرد موت أصحابها. لكنهم ينسون أن أثواب روح التمرد والتوق للموت في سبيل القضايا الإنسانية الكبرى لن يخلعها شباب العرب، تماماً مثل زملائهم في أوروبا، عند أبواب مطاعم "الهمبورجر" ونوادي الرقص.
أيها البطل الموغل في التاريخ والحاضر والمستقبل، كم لمحك فؤادي وأنا أشاهد قصة بطولة الآخرين. إن الأشرار سيحاولون قتل التوق للبطولة، ذاكرة ووجوداً وأملاً، لكن إنسانية الإنسان ستنتصر.