الأزمة في مصر نحو مزيد من التعقيد والتصعيد، المرحلة المقبلة ليست مرحلة استقرار. والخوف هو من التراجع والانهيار ليس للثورة ونتائجها بل للمؤسسات. حتى الآن الجيش يتخذ موقفاً محايداً، لكن لا أحد يدري كيف ستتطور الأمور، وماذا سيكون موقفه. ليس أمراً عادياً أن يسقط خلال أيام قليلة المئات من القتلى والجرحى في أكثر من محافظة، وليس أمراً مبشراً أن تعود البلاد إلى حالة الطوارئ، وأن يخرق الناس الحالة ويفرضوا "طارءهم"، وأن يكون تراجعاً رسمياً عن الأمر، وأن تهرب الشرطة في قلب القاهرة إلى الفنادق، ليدخل إليها متظاهرون يعيثون فيها فساداً، فيسيئون إلى الملك العام والملك الخاص وإلى المستثمرين والمقيمين في الفنادق! صدقية الدولة، تكمن في حضورها ودورها و قدرتها على الاستمرار في ضمان الاستقرار وهيبة مؤسساتها، وسمعتها، ودورها في تعزيز الاستثمار وتوفير فرص عمل وتفعيل الاقتصاد، وحماية مصالح الناس وحياتهم اليومية... كل ذلك بات على المحك، ولا يبدو أن ثمة أفقاً قريباً مفتوحاً للحل. مراكز القرار في الدولة في مأزق، قطيعة بين القوى السياسية، انقسام حاد عمودي وأفقي في البلاد. ضائقة اقتصادية خانقة، ومصر متروكة، تكاد تبدو متروكة من الداخل ومتروكة من الخارج. هل يطمئن ذلك أهلها والحريصين عليها وعليهم؟ هل يوفر هذا ظروفاً لقيامة مصر الجديدة ؟ 90 مليون مواطن بحاجة إلى الغذاء اليومي، ومصر تطلب أربعة مليارات ونصف المليار دولار من المؤسسات المالية الدولية، ولا تحصل على شيء بعد!كيف يمكن أن تستمر في ظل هذا الانقسام وهذه الحاجات؟ لا شك في أن ثمة من يتحسّس هذا الواقع الأليم، ويسعى إلى إحداث اختراقات، فيقدم مبادرات تحمي الإنجازات وتقرّب المسافات بين المصريين. وموقف الأزهر، من خلال مبادرته الجديدة وجمعه القوى المتناقضة تحت سقف واحد كان مهماً وينبغي التأسيس عليه، وقد ذكرني المشهد بما يجري في لبنان ولو أن القاهرة وحدها هي أكبر منه. لكن الحديث عن رفض العنف وعدم اللجوء إلى الشارع لحل الخلافات، واعتبار الدولة المرجع الوحيد لكل المواطنين والحوار السبيل الوحيد لحل مشاكلهم هو نفسه الحديث الذي يدور في لبنان، والمهم هو القناعة بذلك، ووجود الرجال القادرين على الإقدام لتحقيقه. الكل أمام امتحان صعب: السلطة الجديدة مسؤولة عن قراراتها وخياراتها وسياساتها. وليس مبرراً القول إن ثورات كثيرة قامت في العالم وأخذت وقتاً حتى ثبتت نفسها، أو تجاوزت المطبات لترسو على استقرار. عامل الوقت اليوم مهم بالنسبة إلى مصر وغيرها، والذين جاؤوا إلى السلطة، وعبر الانتخابات، معنيون كما سبق وأشرنا أكثر من مرة بأمانة المسؤولية وضمان استمرار المناخ الذي جاؤوا في ظلّه إلى السلطة، وحماية حق الآخرين في الاستفادة منه، لن يقبل أحد التخلص من نظام أحادي مستبد متسلّط متحكم ممسك بزمام كل الأمور ومفاصلها في السياسة والإدارة، لمصلحة نظام مشابه! كذلك فإن المعارضة معنية بالاتفاق على برنامج واضح تواجه السلطة الجديدة على أساسه على أن يبقي الفريقان مساحة بينهما للتلاقي، إذّ وكما في لبنان لا يستطيع أحد إنكار وجود الآخر ودوره وحجمه وتأثيره، ولا يستطيع أحد أن يلغي أحداً، لا بدّ من تسوية أساسها وقاعدتها الدولة والاستقرار، هذه مسؤولية كبيرة وخصوصاً في مصر اليوم. مصر التي يريد البعض تحويلها إلى غابة من السلاح المهرّب من أكثر من مكان. ويريد كثيرون تعطيل دورها، وتركها غارقة في بحر من الأزمات ومطوقة من كل الجهات لتطويق هذا الدور، مصر التنوّع مهدّدة، وانعكاس ما يحصل فيها لا يقف عند حدودها فحسب. ويذهب البعض في مصر إلى تحميل الإعلام والإعلاميين المسؤولية حيال ما يجري في البلاد. هذه أيضاً نقطة خاطئة. هي هروب إلى الأمام في مواجهة الحقائق. لا شك أن ثمة أخطاء ترتكب في الإعلام. من سوء التقدير للموقف، إلى سوء التعبير أحياناً، ولا شك أن ثمة تسريبات ومعلومات تُبَث لا تكون دقيقة، وتُبنى عليها مواقف لن تكون بدورها موضوعية. لكن المشكلة الأساس هي في السياسة، والسياسيون هم الذين يحركون كل شيء، سواء أكانوا في السلطة أم في المعارضة. وعندما تكون دولة وأنظمة وقوانين ترعى أي قطاع، وعندما يكون ثمة رجال دولة مؤتمنون على المؤسسات وعلى الحريات والناس ويحتكمون إلى القانون بعدل تنتظم أعمال الدولة وتكون المراقبة والمساءلة والمحاسبة القاعدة، التي يتم التعاطي على أساسها مع كل الناس والمؤسسات من دون استثناء وبمساواة. نرى اليوم فضائيات تبث من مختلف أصقاع الأرض، تثير نقاشات وخلافات دينية عميقة، ونسمع كلاماً خطيراً، ووراء هذه المحطات مرجعيات تحمي وتغذّي! المسألة ليست بالبساطة التي يعبّر عنها البعض، ومصر ساحة واسعة وإمكاناتها كبيرة، وفيها من الطاقات ما يكفي أمة دون مبالغة. وهي دولة ذات جذور وتاريخ وحضارة وثقافة وغنى يشكل مخزوناً استراتيجياً مهماً ينبغي الاستفادة منه. إن مصر دور وموقع ومركز قرار ومحور حركة وحجر زاوية في كل هموم العالم العربي وشؤونه وشجونه، أي اهتزاز فيها ستكون له ارتدادات في المحيط. والمحيط الأقرب والأهم هو فلسطين، وفلسطين هي الهدف بالنسبة إلى إسرائيل. وإسرائيل مرتاحة تماماً لما يجري في بلاد النيل، وفي الجوار ومن سوريا إلى العراق واليمن وليبيا والجزائر. إذا اهتز الحصن المصري لن تحمي الحصون الأخرى نفسها، كل الحصون معرّضة. وكل ما في داخلها قابل للاشتعال، سياسة المياومة، وتمرير الوقت، على قاعدة إن النار "بعيدة عنا"، فلتبقى عند غيرنا، ليست سياسة حكيمة، علمتنا التجارب أن النار إذا أخمدت في مكان بعد أن تكون قد أكلت الأخضر واليابس، ستكمل طريقها لالتهام أخضر ويابس مكان آخر. المطلوب نظرة مصرية شاملة للحل من الداخل ونظرة عربية حاضنة، ومع تكراري أن العرب غير موجودين ومؤثرين في تقرير مصيرهم في هذه المرحلة، فإن هذا لا يعني الاستسلام وعدم القيام بأي دور أو مبادرة، انطلاقاً مما تبقى، ولحماية ما تبقى قبل فوات الأوان!