نفخر في دولة الإمارات بأن التعليم لدينا بصورة عامة ومن المرحلة التأسيسية إلى المرحلة الثانوية بصورة خاصة، يحظى بدعم غير محدود وإنفاق سخي منقطع النظير من حكومتنا الرشيدة، وهو أولوية جوهرية في الجهود الدؤوبة في صناعة اقتصاد المعرفة، وإيجاد رأس المال البشري عالي الكفاءة. وبما أن المنظومة التعليمية هي حجر الزاوية في عملية التنمية الشاملة، فلابد من النظر بكل موضوعية في المنظومة التعليمية بالدولة بالرغم من أنها الأولى عربياً في جهود تطوير التعليم، حيث حققت دولة الإمارات المركز الأول عربياً على مستوى القائمة العالمية لنتائج الاختبارات الدولية، (TIMSS،PIRLS/2011 ) محرزةً المركز الأول في اختبارات القراءة للصف الرابع، فيما حلت في المرتبة الثانية في اختبارات الرياضيات والعلوم للصف نفسه، وعلى مستوى الصف الثامن أحرزت الإمارات المركز الأول في اختبارات الرياضيات والعلوم لتتقدم بذلك إلى المرتبة (40) عالمياً والأولى عربياً ومشاريع تطوير التعليم فيها مساوية للمعدلات العالمية المتقدمة. لا شك أن ما تم إنجازه من النتائج عطفاً على عمر الدولة والنهضة الشاملة فيها في جميع المَناحي، يعد تميزاً غير مسبوق مع وجود الكثير من التحديات التي تواجهنا حتى نكون ضمن النخبة عالمياً. فقد بدأت دولة مثل فنلندا التي تصنف الأفضل عالمياً حالياً الإصلاح التعليمي في بداية الستينيات وبعد (50) سنة أصبحت الأفضل عالمياً ومدينة مثل شنغهاي الصينية بدأت عام (1985) في عملية إصلاح شامل للتعليم لتصل اليوم إلى مستوى يعد من ضمن أفضل (20) نظاماً تعليمياً في العالم. وما زالت هناك الكثير من الإصلاحات التي تعمل عليها المدينة للوصول للقمة وذكر هذه الأمثلة ما هي إلى رسالة تذكير لمن يعتقدون أن عملية التميز التعليمي هي عملية سهلة، أو لا تستغرق الوقت الطويل والعمل المضني الشاق المبني على العلم والتعلم من الأفضل لخلق نظام محلي بصبغة عالمية. وإذا نظرنا إلى الأمور بعقلانية، فإن جعل العمل التربوي ككل ومستوى الطلبة يضاهي نظراءهم في العالم المتقدم وفق المعطيات الحالية من نوعية كوادر تعليمية الكثير منها، يعاني من ضعف في التأهيل المستدام وعقلية مجتمع في تطور لمواكبة النهضة العلمية وعدم جاذبية المهنة ووجود حاجة لتحسين الإبداع في منهاج وأساليب ونظريات التعليم المطبقة، والتطبيق الحِداثي للتعليم خارج منطقة الراحة للدراسة التقليدية وصعوبات في الخصخصة التنموية. فهي عوامل تبطئ تطبيق الاستراتيجيات الحكومية لتطوير التعليم مهما كانت تلك الاستراتيجيات تمكينية ومتقنة. وعليه أوصي في البداية بتثقيف المجتمع بأهمية التعليم المعاصر والوسائل المساعدة والداعمة له. وثانياً أقترح غربلة نظام التعليم والتطوير الجذري له وللعاملين به لتصبح مهنة التدريس من بين المهن الأعلى أجراً والمدرّس لا يختار إلا من النخبة في الجامعات والكليات ويحصل على ماجستير متخصص لتعليم مادة محددة مع ضرورة وجود مراكز البحث التطبيقي والتطوير العلمي التربوي، وإعطاء التربويين الفرصة للابتكار والتعليم التجريبي والبحثي غير التقليدي خارج الصندوق لتدريس المواد العلمية والرياضيات ومهارات القراءة، وحذاري أن نتجاهل المواد الأدبية والمهارات الحياتية ونستمر في نظام يقاس تقدم الطالب فيه بمدى ما يحفظه، والدرجة التي يحصل عليها مع وجود مدرّس أو مدرسة يسابقان الزمن للانتهاء من المقرر وينجح من ينجح ويرسب من يرسب. وإذا نظرنا في أفضل نظام تعليمي في العالم في دولة فنلندا، فنجد أن الطالب لا يبدأ الدراسة قبل سن السابعة، ونادراً ما يقوم بالواجبات المنزلية أو الامتحانات حتى يصل لسن المراهقة. ولا يختبر الأطفال خلال السنوات الست الأولى من تعليمهم ولا يوجد سوى اختبار واحد إلزامي موحد في فنلندا يأخذه الطالب عند سن السادسة عشرة، وهناك نظام دروس تقوية وطنية حيث يحصل الأطفال على مساعدة إضافية خلال السنوات التسع الأولى من المدرسة، ونسبة الفرق بين مستوى الطلاب من حيث الأضعف والأقوى هي الأصغر عالمياً، كما يتجه 43 في المئة من خريجي الثانوية للكليات المهنية. ويقوم طلاب المدارس الابتدائية على عملية البحث العلمي لمدة (75) دقيقة في اليوم مقابل(27) دقيقة في الولايات المتحدة. ومن جانب آخر يقضي المعلمون (4) ساعات فقط في اليوم بالفصل وساعتين في الأسبوع إجبارية للتطوير المهني، ففي فنلندا يجب على جميع المعلمين الحصول على درجة الماجستير، ويتم اختيار المعلمين من أفضل 10 في المئة من الخريجين المتفوقين، ويتم إعطاء المعلمين نفس وضعية الأطباء والمحامين. أما في الوطن العربي حدّث ولا حرج، فكلية التربية والتعليم أو معهد المعلمين ...الخ في حالات عديدة كان يدخلها من له أجندة خاصة أو من لا يستطيع دخول الكليات، التي تتطلب معدلات عالية للقبول. التحديات عديدة، وهو أمر طبيعي، ونحن نحاول تطبيق تجارب أفضل الدول في مجال التعليم. والمخرجات مخيبة للآمال أحياناً، ولكنها يجب أن لا تثنينا عن المضي قُدماً لتحقيق النهضة المرجوّة في ظل القيادة الرشيدة التي تضع التعليم كأولوية أولى للتنمية. كما نتمنى من القائمين على القطاع التعليمي دراسة تجربة نيويورك في الثانوية التخصصية (علوم ورياضيات، اقتصادية مالية، تكنولوجيا واتصالات، تاريخ وأدب...الخ)، بما يخدم سوق العمل أو التخصص الدراسي المستقبلي. وأرى ضرورة تطوير اختبارات تحديد المقدرات والإمكانيات ومعرفة المعوقات التعليمية البدنية أو الذهنية أو النفسية أو مشاكل صعوبة التعلم للطلبة قبل الدخول لمرحلة الروضة واختبار آخر قبل بداية المرحلة الابتدائية والابتعاد عن النظام القائم على الامتحان وحفظ الحقائق لاجتياز الاختبار، وجعل الأوراق والتقارير البحثية القصيرة والقراءة الأفضلية والأنشطة اللامنهجية بديلة للواجبات المنزلية، والسماح للطلاب باتخاذ المقررات الاختيارية لتشجيع تعلم الطلاب بدلاً من تراكم المعرفة والتعلم من وفي البيئة المحلية والتطبيق فيها مع وجود مركز تفكير افتراضي على الإنترنت وتأهيل إلكتروني يُربط به العاملون في القطاع التعليمي والتلاميذ في الدولة بنظرائهم ببعض الدول المتقدمة مع وضع خطة استراتيجية تعليمية لكل طالب على حدة، تشارك فيها المدرسة وأولياء الأمور تشير إلى المهارات والمعارف، التي يحتاج تعلّمها الطالب وتقسم كمعلومات رئيسية وثانوية ومُساعدة وتوضع أولويات لتعلّمها تبنى على النجاحات السابقة لتعزيز ثقة المتعلم. كما يجب أن تعكس النشاطات الإضافية مهارات حياتية ومهنية وفنية وتقنية مدركين أن معظم المشاكل التي تواجهها المجتمعات في الأساس، هي نتائج مباشرة لمخرجات النظام التعليمي، وهو ما يلخص أهمية النظام التعليمي في نهضة