يجري الحديث عن «عقيدة أوباما» في السياسة الخارجية، سواء بعد خطاب التنصيب للولاية الثانية، أو في قراءة تطبيقاته لهذه السياسة في الولاية الأولى. أعطاها الرئيس الأسود عنوان «نهاية عقد الحروب»، فيما عنونها آخرون بـ«الانسحاب» أو حتى «الاستقالة»، أما المحللون فاختاروا توصيف «الانكفاء»، ويفضل العسكريون مصطلح «القيادة من الخلف». أنها بالأحرى «قيدة» لا تزال بحاجة إلى شرح وتوضيح، فهي غامضة في ترجمتها العملية، وغير مضمونة النتائج. ومن غير المؤكد أنها تؤسس لسياسة ثابتة وقابلة للاستمرار مع أي رئيس أميركي آخر، بعد أربع سنوات، خصوصاً إذا كان «جمهورياً». فيما يدلي كثيرون بآراء مفادها أن أوباما رئيس مختلف ومصمم على تغيير المرتكزات الأيديولوجية لـ«مؤسسة» نظام الحكم الأميركي بنزع غريزة الحرب التي تأسست عليها، يحاجج آخرون بأنه لا يتردد عندما يكون اللجوء للخيارات العسكرية لازماً وضرورياً، كما فعل في ليبيا، وكما يمكن أن يفعل في مالي، إذا اقتضت الحاجة. لكن الواضح أنه مدرك مزاج الرأي العام الأميركي الذي يعطي أولوية للتعافي الاقتصادي على أي تدخلات أو مغامرات «مكلفة» مالياً وبشرياً في الخارج. ليس مألوفاً أن يقول رئيس أميركي في احتفال تنصيبه إن سياسته الخارجية ستقوم على «الأمن والسلام» الدائمين، وأنه يفضل الحوار والدبلوماسية. لكن خيارات كهذه لا بد تلقى الترحيب. أليست الولايات المتحدة هي الدولة العظمى، أليست متهمة بتدبير أسوأ الحروب وافتعالها وخوضها. إذاً، فالأولى أن تحظى بالتقدير متى تبدي مراجعة تاريخية لسياساتها. وطالما أنها مشتبه بذهابها إلى الحروب من أجل تنشيط صناعاتها الحربية وتعزيزها - فلا بد أن يلقى إقلاعها عن الحرب كل الإعجاب. غير أن مقولة إن السياسة الأميركية هي سياسة دولة كبرى، وبالتالي فهي تتمتع بالاستمرارية، لم تثبت صحتها إلا في حالات نادرة تتعلق بعلاقات خاصة، كما الحال مع إسرائيل، حيث تصبح السياسة متماهية مع الأيديولوجية المتحجرة. لا شك أن الانكفاء إلى الداخل حتّمته الأزمة الاقتصادية العاتية، وأوجبه الانكشاف الأميركي أمام الصين إذ صارت دولة دائنة لأميركا، كما فرضته روسيا بوتين إلى سياسات التحدي السوفييتية مستغلة الأزمة السورية. لذلك تبدو الاستقالة، أو نصف الاستقالة، الأميركية وكأنها إعادة خلط للأحداث الاستراتيجية. فالدرس المستفاد من حربي أفغانستان والعراق أن الدول الأخرى تستفيد من انشغال أميركا بالحروب، وأن العودة إلى الدبلوماسية يمكن أن تغيّر قواعد اللعبة. وبذلك تربك أميركا خصومها وحلفاءها على السواء لأنهم اعتادوا بناء سياساتهم على أساس أن أميركا متأهبة وباحثة دائماً عن الحرب. لكن تحقيق الأمن والسلام «الدائمين» سيبقى متعذراً ومثيراً للريبة، إذا لم تبادر أميركا إلى حل النزاعات التي أشعلتها، أو كانت طرفاً ساهم في تعقيدها. والمثال الأول والأهم هو القضية الفلسطينية، إذ أن استقالة أميركا من قيادة حلها تعني التهرب من المسؤولية وابتعاد الأمن والسلام في الشرق الأوسط. المثال الآخر نجده في الأزمة السورية التي تسبب التردد الأميركي بمفاقمتها، بل الأسوأ أن تسليم مقاليد «الحل السياسي» فيها إلى روسيا زاد من استعصاء هذا الحل. المثال الثالث تشكلت أزمة البرنامج النووي الإيراني معطوفة على تمدد النفوذ الإيراني إقليمياً، إذ أن الدول الكبرى المشاركة في الحوار مع إيران تعتبر جميعاً أن التوصل إلى «حل دبلوماسي» متعذر إذا لم يحصل حوار وتوافق بين الولايات المتحدة وإيران. والأرجح أن هذا الملف سيكون محلاً رئيسياً لـ «عقيدة أوباما» إذا انطلقت من استبعاد الخيار العسكري إلى مقايضة مع إيران بشأن نفوذها. رغم أن وزير الخارجية الجديد جون كيري سيكون المترجم العملي لهذه «العقيدة»، فإن شهادته أمام الكونجرس لم تقدم الإيضاحات الكافية لتوجيهات الإدارة الثانية لأوباما، فبالنسبة إلى التفاوض الفلسطيني- الإسرائيلي قال «آمل» و«أملي»، وعن إيران مرجح الحل الدبلوماسي، أما عن سوريا فقال إنه سيرى ما هو ممكن مع روسيا. الأمر الوحيد المؤكد أن أميركا تريد حلولاً سلمية لكنها لا تعرف كيف يمكن الحصول عليها.